الاتحاد

دنيا

سحر الخادمة الخفي


سعاد جواد:
انه مجرد طفل··· صحيح انه ولد شقيا وعنيدا ويده طويلة، ولكنه مجرد طفل··، لقد تعود ان يضرب اخوته ويبكيهم فهو اكبرهم، انه في الخامسة من عمره، كلما فكرت بمعاقبته تراجعت واكتفيت بالتحدث معه بهدوء، يكفي ان أمه شديدة معه وهي تعاقبه باستمرار وتضربه ولكنه لا يتأثر ولا يتغير، فهو بالنهاية مجرد طفل لا يستحق عقوبة قاسية لا ترحم كالتي تلقاها هذا المسكين·
كنت احبه حباً شديداً لذكائه ولفطنته، أمه تقول: انك تحبه لانه يشبهك، وفي الحقيقة فإن الولد يشبهني في الشكل فقط وبالطبع فهو لا يشبهني أبداً في تصرفاته المزعجة، فلا اعتقد بانني كنت طفلاً مزعجاً وعنيداً كما هو ابني، وعموماً فبالرغم من صفاته تلك إلا انه ولد محبوبا وقد آلمني ما حدث له· ولأرو لك الحكاية من البداية·
لقد نصحت زوجتي مراراً وتكراراً بشأن طريقتها في معاملة الخادمة، بصراحة انها قاسية جداً في التعامل معها، انها عصبية وحادة مع أي خادمة تأتي لمنزلنا، انها تعاقبهن بقسوة إذا أخطأن ولا تفوت أو تتغاضى عن أي خطأ مهما كان بسيطا يبدر منهن، فهي مقتنعة تماماً بان القسوة هي الطريقة المثلى التي تجعل الخادمة تسير على الخط المستقيم بلا اعوجاج أو انحراف، وهي بتعاملها هذا، ساهمت في تطفيش معظم الخادمات من بيتنا، ولم يغير ذلك الأمر سلوكها معهن وبقيت مصره على طريقتها تلك·
بين نارين
كنت احاول اقناعها بان لدينا اطفالاً نضطر في معظم الاحيان إلى تركهم في رعاية الخادمة وان ولدنا الاكبر يقوم بإيذاء الخادمات بتصرفاته دائماً، ولكنها تقول بان الخوف الذي تزرعه بقلب الخادمة هو الذي سيمنعها من إيذاء الاطفال اثناء غيابنا وهو الذي يجعلها تفكر ألف مرة قبل ان تقدم على أي شيء تعرف انها ستعاقب عليه عقابا شديداً·
حتى كان احد الأيام وكان ابني الكبير يلعب في صالة المنزل، كان يمسك كرة صغيرة يقوم برميها في اتجاهات مختلفة ثم يصرخ منادياً الخادمة كي تحضرها له، كانت الخادمة وقتها مشغولة في اعمال منزلية متعددة المطلوب منها إنجازها باسرع وقت قبل عودة المدام·
ازداد صراخ الولد فانزعجت الخادمة وصرخت بوجهه لتسكته فلطمها على وجهها بقوة، صحيح ان يده صغيرة ولكن الألم الذي تركته تلك اليد كان شديداً للغاية، صعدت الدماء إلى وجه الخادمة وارتفعت نسبة الغضب في جميع انحاء جسدها فارتفعت يدها لضرب الطفل ولترد عليه الصفعة باخرى اقوى منها، في هذه اللحظة توقفت يدها لانها تذكرت العقوبة التي تنتظرها ان هي ضربت الولد، تذكرت ما ستفعله أمه بها ان عرفت بالأمر عندها جمعت غيظها وادخرت حقدها كله وقررت ان تعاقب الولد على طريقتها الخاصة·
بعد ذلك الوقت بمدة قليلة، اصيب الولد بتشنج غير طبيعي وصار يبكي من شدة الألم، اتصلت بي زوجتي وهي خائفة مرتعبة لتخبرني بما يحدث، اعتراني الاحساس بالقلق واسرعت نحو المنزل ولا ادري كيف وصلت في وقت قياسي هكذا، كان لدي شعور غامض بان الولد قد اصابه شيء خطير وان الأمر اكثر من كونه مجرد تشنج بسيط·
اعراض غامضة
دخلت المنزل لاجده في حضن أمه منتفضا وهو يصرخ متألما والخادمة تقف قريباً منهما وهي تتظاهر بالخوف على الولد، سألت عما حدث فاخبرتني زوجتي بانه كان يلعب وفجأة تشنجت ساقه واصبحت يابسه مثل الخشبة واخذ يصرخ من شدة الألم وهو غير قادر على ثنيها·
حملته إلى المستشفى فكشف عليه الأطباء واجريت له الفحوصات المختلفة واخذت له صور الاشعة فلم يعرفوا سبباً لهذا التشنج الغريب، بقي الولد في المستشفى تحت الرعاية الصحية لفترة طويلة وعندما لم يجدوا سبباً مرضياً لما يحدث له، نصحوني بعرضه على الطبيب النفسي، فلم اتردد وعرضته على الطبيب النفسي فاعطاه أدوية كثيرة وعلاجات مخدرة جعلته نائماً طوال الوقت·
نصحنا بعض الاصدقاء والمعارف بزيارة بعض المشايخ لقراءة القرآن الكريم فحملته وذهبت به إليهم فقرأوا عليه القرآن حتى تحسنت حالته بشكل بسيط·
بعد مدة بسيطة عادت حالته إلى السوء فتحولت ازمة التشنج التي تحدث له إلى شلل منعه من السير على قدميه مجدداً·
بقينا في حالة صعبة انا وأمه ننقله من مستشفى لاخرى ومن طبيب لآخر بلا فائدة، فجأة وبشكل غير متوقع صار الولد يتحدث بلغة أجنبية، حاولت ان استوعب بعض تلك المفردات فعرفت بانها نفس لغة الخادمة·
الشك واليقين
عندها ازدادت الشكوك في نفسي وصرت اترجم بعض تصرفاتها الأخيرة ووجهها المصفر وخوفها الدائم، هل هي سبب كل ما يحدث لابني؟ ماذا افعل كي اتأكد من الأمر ولا اظلمها؟ كيف اتصرف حيال هذا الوقع المخيف؟ انه ابني، طفل صغير لا حول له ولا قوة، هل سيعيش بقية عمره عاجزاً مشلولاً؟ ماذا افعل لاساعده ليعود كما كان؟ فكرت كثيراً وقلبت الأمر على وجوهه واخيراً قررت ان أواجه الخادمة بطريقتي الخاصة·
احضرتها وتحدثت معها بهدوء محاولاً استدراجها للاعتراف بما فعلته بالولد، لم تخبرني شيئاً وانما قالت بانها تستطيع مساعدتنا في شفائه عن طريق الاتصال باحد اقاربها من السحرة في بلدها، في هذه اللحظة تأكد الشك الذي في اعماقي وتحول إلى شبه يقين من انها هي وراء ما حدث لابني، طلبت من زوجتي اخذها إلى خارج المنزل وقمت بتفتيش اغراضها، فظهرت لي الحقيقة، لقد وجدت عدداً من الاوراق التي تحمل الطلاسم والاحجبة وكمية من الشعر وبعض الاشياء الغريبة، اخذت هذه الاشياء إلى احد المعالجين بالقرآن الكريم فاخذها ووضعها في ماء مقروء عليه وطلب مني احضار الطفل، فاحضرته فاخذ يقرأ عليه القرآن فصار الولد يتحدث بلغة غريبة غير مفهومة، صار الشيخ يتحدث معه بالتهديد والتخويف من الله تعالى للخروج من جسد الطفل ثم امسك الولد من قدمه وقام بحركات وكأنه يسحب شيئاً من رجله، انتفض الولد ثم هدأ، بعد قليل نهض واقفاً على قدميه وكأن شيئاً لم يحدث·
لم اصدق ما حدث أمامي على الرغم من انني شاهدت كل التفصيلات بعيني، ولكن الأمر بصراحة يصعب على التصديق·
في اليوم التالي اخذت الخادمة إلى مركز الشرطة واخبرت الضابط بتفاصيل ماحدث فحجزها واجرى تحقيقاً معها فاعترفت باشياء عجيبة·
قالت بان أمها عملت كخادمة في احدى دول الخليج وانها عانت معاناة كبيرة بسبب سوء معاملة بعض العائلات لها وتحميلها فوق طاقتها بلا رحمة ومعاملتها بعنف وقسوة وضرب، لذلك فقد نصحت ابنتها بالاستعانة ببعض أمور الشعوذة والطلاسم للدفاع عن نفسها·
ثم حكت للضابط عن قسوة زوجتي معها وعن اعتداء الولد عليها بالضرب باستمرار وحكت له تفصيلات ماحدث ذلك اليوم وكيف انها خافت ان تعاقبه لانه ضربها فدفعها غيظها للانتقام منه بهذه الطريقة وقد ظنت ان لا احد يستطيع كشفها أبداً·
بعد التفتيش الدقيق الذي اجرته الشرطة تم اكتشاف قنينة صغيرة فيها سائل كريه الرائحة وعند سؤال الخادمة اخبرتهم بانها كانت تعد لنا خلطة خاصة من اجل ان نحبها ولا نؤذيها، فقد وضعت (بولاً) في القنينة ثم وضعت فيه بعض الطلاسم وكان عليها ان تتركه لمدة شهر بعد ان تحكم اغلاقه ثم تبدأ بوضع قطرات منه في الطعام عندها سيحبها جميع من في المنزل ولا احد يتوجه إليها بسوء·
هذا الأمر جعلني آخذ عائلتي كلها إلى المستشفى لإجراء التحاليل والتأكد من سلامتنا خوفاً من ان يكون احدنا قد اصيب بشيء من هذه القذارة، الحمدلله كانت النتائج سليمة، والخادمة اقسمت بانها لم تضع لنا منه في الطعام لان الوقت المحدد لم يحن بعد·
يا الهي ما هذا الذي نسمعه؟ ما هذا العالم الذي نعيش فيه؟ وكيف يفكر الناس بهذه الطريقة؟
احيلت أوراق الخادمة إلى المحكمة، فحكم عليها بالسجن والابعاد·
بعدها اتفقت مع زوجتي على ان تغير معاملتها مع الخدم وان تراقب الخادمة الجديدة التي ستعمل عندنا وتفتش اشياءها باستمرار وان تكون تحت رقابتنا المستمرة حتى لا يتكرر ما حدث من جديد·

اقرأ أيضا