يقدم محمود درويش نفسه في كتابه '' حيرة العائد'' على أنه شاعر يعمل بقليل من العشب اليابس والملح والغيوم·· وهذا حسب قوله يكفي للقلب وللإبداع وحتى للمزاح مع العدم· جمهور عربي كبير يهتم بكتب محمود درويش الذي قال عنه نقاد عالميون بأنه '' قضية في قضية'' ففي كتابه الذي هو عبارة عن شهادات وكلمات في مناسبات مختلفة، يلاحظ أن الموت الذي تحوّل إلى هاجس سيزيفي لدى الشاعر منذ تلك الجراحة الهائلة في القلب، يحتل حيزاً واسعاً من الكلمات· والتالي قراءة في الكتاب: ''غائباً آتي إلى غائب، فلا أدري إن كنت هناك أم هنا، ولا أدري هل جسدي هو كلامي أم كلامي هو جسدي، ولكنني في الحالين غائب! لا صورة للمعنى بلا مبنى، ولا أرض للقصيدة غير تلك الطعنة التي تحفرها السماء بقرن غزال، على حافة الأرض· هل دخلت من هناك؟ أم خرجت إلى ما أنت فيه، بحثاً عن أمثالي العائدين في عربات المهاجرين إلى صورتهم، وهي تكبر وحدها، في الليالي القديمة، دون أن تنتبه إلى تدخل الشبح أو الشاعر''· مَن كان يرثي ''محمود درويش'' ''زميله'' في الشعر أو في التيه (ولو داخل الخط الأخضر) ''توفيق زياد'' أم ''محمود درويش''· حين يتماهى رجلان على حافة الحيرة التي غالباً ما تكون حافة الموت، حتى وإن كان ''لوي أراغون'' قد قال إن الحياة مثل القصيدة تبدأ، وتنتهي، بالحيرة! الشاعر هو الذي اختار صورته على الغلاف· لسوف تقولون: ''هل من الضروري، إذاً، أن نفتح الكتاب، لقد قرأنا في وجهه كل شيء''· كل شيء؟ أجل، وأكثر··· الكتاب الذي يجمع شهادات وكلمات في مناسبات تختزل تحوّلات القلب، الوحيد الذي بقي في مكانه· كل شيء تغيّر· الحيرة تأشيرة دخول إلى أين؟ قمر بدوي مجلة إد الفرنسية كرّست عدداً بعنوان: ''فلسطين·· رحلة في قلب شعب''· كتب ''محمود درويش'' في العدد عن تجربته منذ أن كان في السادسة: ''··· ولكن ابن السادسة لم يكن في حاجة إلى من يؤرخ له، ليعرف طريق المصائر الغامضة التي يفتحها هذا الليل الواسع الممتد من قرية على إحدى تلال الجليل، إلى شمال يضيئه قمر بدوي معلق فوق الجبال· كان شعب بأسره يقتلع من خبزه الساخن، ومن حاضره الطازج ليزجّ به في ماض قادم· هناك··· في جنوب لبنان، نصبت خيام سريعة العطب لنا· ومنذ الآن، ستتغيّر أسماؤنا، منذ الآن سنصير شيئاً واحداً، بلا فروق، منذ الآن سندمغ بختم جمركي واحد: لاجئون''· مشهد البداية يختزل كل المشاهد الأخرى· هل كانت للحيرة نكهة أخرى؟ الأمل بأن يكون ثمّة أمل: ''لم أعرف كلمة ''المنفى''، إلا عندما ازدادت مفرداتي· كانت كلمة ''العودة'' هي خبزنا اللغوي الجاف· العودة إلى المكان، العودة إلى الزمان، العودة من المؤقت إلى الدائم، العودة من الحاضر إلى الماضي والغد معاً، العودة من الشاذ إلى الطبيعي، العودة من علب الصفيح إلى بيت من حجر· وهكذا صارت فلسطين هي عكس ما عداها، وصارت هي الفردوس المفقود إلى حين···''· القلب والموت بعد جراحة معقدة، وصاعقة، في القلب· هل أصبح الشاعر نصفه لـ''محمود درويش'' ونصفه لفلسطين؟ هنا قلب· لا شيء آخر، ويستحق أن يكون حزيناً، ووجلاً، عندما يكون الرحيل هو النهر أو عندما يكون النهر هو الرحيل· هذه هي الأوديسة الفلسطينية· يكتب أحد النقاد في مجلة ''لير'' الفرنسية: ''ترى، هل تحوّل محمود درويش إلى هوميروس؟''· هذا لأن التراجيديا أخذت كل مداها الميتولوجي· المسافة بين اللاوعي والقلب· ذاك الذي صنعه هوميروس· يصنعه أيضاً ''محمود درويش''· لا داعي للعينين أمام هذه الأوديسة أو تلك· بسريالية مثيرة قال ''أندريه بروتون'' ذات يوم: ''عينان تصلحان لقدمين فقط''· هل يشعر محمود درويش أن الموت يطارده، يطارده هو، ولو بالأزهار الجريحة، مع كل أولئك الذين غابوا: ''ياسر عرفات''، ''فدوى طوقان''، ''أميل حبيبي''، ''محمد الماغوط''، ''ممدوح عدوان''، ''سمير قصير''، ''إسماعيل شموط''، ''توفيق زياد''، حتى إنه يتكلم عن ذكرى ''بدر شاكر السيّاب''· يكتب درويش لممدوح عدوان: دلتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل· ويضيف: لا جلجامش ولا أنكيدو، لا الخلو هو المبتغى، ولا قوة الثور، فنحن الخفيفين الهشين، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت إضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد مَن لم يقل بعد· ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم···''· وعن الماغوط يكتب: هو فضيحة شعرنا، فعندما كانت الريادة الشعرية تخوض معركتها حول الوزن، وتقطعه إلى وحدات إيقاعية تقليدية المرجعية، وتبحث عن موقع جديد لقيلولة القافية: في آخر السطر أم في أوله·· في منتصف المقطع أم في مقعد على الرصيف، وتستنجد بالأساطير وتحار بين التصوير والتعبير· كان محمد الماغوط يعثر على الشعر في مكان آخر· كان يتشظى، ويجمع الشظايا بأصابع محترقة، ويسوق الأضداد إلى لقاءات متوترة· كان يدرك العالم بحواسه، ويصغي إلى حواسه وهي تملي على لغته عفويتها المحنكة، فتقول المدهش والمفاجئ· كانت حسّيته المرهفة هي دليله إلى معرفة الشعر·· هذا الحديث الغامض الذي لا نعرف كيف يحدث ومتى؟· وفي الباب نفسه يكتب درويش: ''ما زال مطر السيّاب يتساقط على جفاف أيامنا''، ـ واجه بغضب، لدى توقيع كتاب ''كزهر اللوز أو أبعد'' في رام الله، الذين انتقدوا تحوله ـ أعلم أيضاً أن مجموعتي الشعرية الجديدة، كسابقاتها، ستزوّد خصومي الكثيرين بمزيد من أسلحة الاغتيال المعنوي الشائعة في ثقافة الكراهية النشطة· سيقال - كما قيل ويقال - أنني تخليت عن ''شعر المقاومة'' وسأعترف أمام القضاة المتجهمين بأنني تخليت عن كتابة الشعر السياسي المباشر محدود الدلالات، دون أن أتخلى عن مفهوم المقاومة الجمالية بالمعنى الواسع للكلمة·· لا لأن الظروف تغيّرت، ولأننا انتقلنا من ''المقاومة إلى المساومة''، كما يزعم فقهاء الحماسة، بل لأن على الأسلوبية الشعرية أن تتغير باستمرار، وعلى الشاعر ألا يتوقف عن تطوير أدواته الشعرية···''· حيرة العائد هي الحيرة الخلاقة: ''كأنني لم أنتبه إلا الآن إلى ما فعل الزمن بي· أما كان في وسعه أن يعلمني الحكمة، كما علمني التاريخ السخرية بثمن أقل من الرحيل؟''· إذاً، لا تبحثوا عن بطاقة هوية أخرى لمحمود دروش: ''وهكذا أجد نفسي هنا، لم أذهب ولم أرجع، لم أذهب إلا مجازاً ولم أعد إلا مجازاً''·