الاتحاد

الملحق الثقافي

الروايات الأكثر مبيعاً ليست الأكثر جودة وأهمية

عبارة “الرواية الأكثر مبيعاً” ليست سوى عبارة دعائية اعلانية لأن أحدا لا يستطيع بالضبط رصد الروايات الأكثر مبيعا، كما أن الاكثر مبيعا لا يعني جودة الرواية أو العمل الادبي، تماما مثل الافلام التي تحقق أعلى الإيرادات، حيث لا يعد ذلك دليلا على أنها افلام جيدة بل ربما يدل على أنها افلام رديئة. حول “ظاهرة الروايات الاكثر مبيعاً” دارت مناقشات ندوة بالقاهرة شارك فيها الروائي احمد عبدالرازق ابو العلا والروائي احمد العايدي والناشر محمد هاشم صاحب دار ميريت وأدارها الروائي يوسف القعيد.
وقال أحمد عبدالرازق ابو العلا: حينما كنت مديرا للنشر بهيئة قصور الثقافة المصرية اصدرت كتاب “كفك” للكاتبة هدى جاد وقام مصمم الغلاف بوضع رسمة الكف على الغلاف الخارجي وتم طبع 3 آلاف نسخة وفوجئت بأنها نفذت في 3 أيام وحققت نجاحا غير مسبوق للناشر، والقارئ اشترى الكتاب لانه ظن عند شرائه ان موضوعه عن قراءة الكف لكنه سيكتشف حين يقرأ الكتاب انها رواية عادية، وايضا رواية “وليمة لاعشاب البحر” لحيدر حيدر طبع منها 3 الاف نسخة بيع منها 1200 نسخة بسعر جنيهين للنسخة وبعدها حدثت أزمة تتعلق بموضوع الرواية وفوجئت بسحب باقي النسخ وبيعت بأسعار خيالية تصل الى 100 جنيه للنسخة وكانت آنذاك الاكثر مبيعا على مستوى الرواية العربية لأنها اثارت ضجة في مصر.
وأضاف أحمد عبدالرازق بأن السعودية أنتج كتابها 40 رواية معظمها لشابات في سن العشرين وجميع هذه الاعمال تم منعها من التداول داخل المملكة فتم اصدارها في بيروت ووزعت هذه الروايات بأعداد كبيرة حتى انها اصبحت الاكثر مبيعا رغم عدم وجود هوية ابداعية لأصحابها ولم يتحدد حتى موقفهم الفلسفي من العالم.
وقال ان الروائية آجاثا كريستي صاحبة الـ80 رواية حول الجريمة حققت أعلى المبيعات في العالم وحققت ايرادات هائلة لدور النشر ولكنها اصدرت خمس روايات بعيدا عن المحتوى البوليسي ووضعت اسما مستعارا عليها والمفارقة ان هذه الروايات لم تحقق أي مبيعات ولم تلق أي رواج.
وأوضح ان هناك عوامل ساعدت على تبلور ظاهرة الروايات الاكثر مبيعاً منها المحتوى الذي يتطرق الى موضوعات فاضحة مثل “حب في السعودية” و”بنات الرياض” و”عيال الله” و”نساء المنكر” و”نساء على خط الاستواء”، وجميع هذه العناوين يمكن ان تكون سببا اوليا لشراء الرواية، وكذلك ان تناقش الرواية موضوعات لافتة للنظر او شائكة مثل “السحاقيات” او الثالوث المحظور: الدين والسياسة والجنس” اضافة الى روايات الانتقام التي تنتقم من التراث الذي يعد متخلفا من وجهة نظر كاتبها او التي تهاجم التيارات السياسية، كما تؤدي ثقافة المصادرة إلى انتشار الرواية حيث تحول الكاتب الى شهيد وتروج لعمله وترفع توزيع كتابه عند مصادرته في حين ان هذا العمل لو وضع على منضدة النقد فسيتم بسهولة اكتشاف انه لا يستحق كل هذه الضجة.
وأكد أحمد عبدالرازق انه ليس ضد الحرية في الكتابة ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وغيرهم تمتلئ أعمالهم بالجنس الموظف والذي يخدم السياق الدرامي للرواية مقارنة ببعض الكتاب الذين ظنوا ان هذه هي وسيلة الذيوع فعمدوا إلى الاعتماد الكامل عليها لسرعة الوصول الى القارئ.
وشدد على ان العمل الابداعي يقوم على قيم جمالية ودلالية وان الروايات الاكثر مبيعا اهتمت بجماليات الاختيار للموضوعات التي لم تكن متداولة من قبل وغابت عنها القيم الدلالية والجماليات الفنية مثل الشخصيات واللغة، وهناك روايات قليلة حافظت على القيمتين معا. وتساءل: لا أدري كيف للروايات المصادرة والعناوين الفاضحة ان تحصل على لقب الاكثر مبيعا بينما اديب نوبل نجيب محفوظ لم يحقق هذا اللقب.
وأوضح ان الرواية الاكثر مبيعا في مصر ترتبط بظروف غير فنية وخاصة ما يفرزه الواقع كرواية “عزازيل” والتي وصفت بالاكثر مبيعا في حين ان اعمالا لكتاب كبار لم ينطبق عليها هذا اللقب. وخلص الى ان كل هذه العوامل تساعدنا على فهم أن الكثير من الكتابات الاكثر مبيعا لا تستحق، بينما هناك على النقيض كتابات أكثر أهمية وليست اكثر مبيعا، والاعلام يلعب الدور الاكبر في هذا الامر.
ويرى محمد هاشم صاحب دار ميريت للنشر ـ والتي تأسست عام 1998 وأصدر خلال هذه الاعوام القليلة 625 كتابا ـ ان هناك ظاهرة انفجار روائي وفي معرض فرانكفورت للكتاب اكتشف ان حجم تداول الكتب في ألمانيا وصل إلى 9.7 مليار دولار أي ما يوازي 100 مليار جنيه مصري.
وأضاف: لدينا في مصر كتاب عظام امثال نجيب محفوظ ويوسف القعيد وعلاء الاسواني وبهاء طاهر ومعظم القراء يعرف الادباء والكتاب المحترمين. أما كتب النميمة والتلسين فهي تفتقد المعايير الفنية والجمالية ولكنها تجد من يساعدها ويروجها ونجد ان الكتاب صدر بالامس واليوم نجد مكتوبا عليه الطبعة الرابعة وهي طريقة رخيصة جدا للدعاية والاستهزاء بالرأي العام الثقافي. وتحدث هاشم عن دور “ميريت” في اصدار رواية “عمارة يعقوبيان” للأديب علاء الاسواني حيث تم رفضها من دور النشر الاخرى لجرأتها على أحد الرموز السياسية في ذلك الوقت الأمر الذي مهد للحراك السياسي في مصر.
واستعرض أحمد العايدي صاحب رواية “أن تكون عباس العبد” التي صدر منها ثلاث طبعات بمجموع 9 آلاف نسخة مشاركته في كتابه العديد من السيناريوهات ودراسته للتسويق. وقال ان المؤسسة العربية الحديثة التي تطبع روايات الجيب كونت قاعدة عريضة من القراء منذ تدشينها في عام 1984 وطباعتها لمئات الالاف من النسخ مؤكدا الرواج الذي تشهده سوق القراءة في مصر لروايات مثل الرجل المستحيل والجاسوسية والرعب والخيال حتى يصل الشباب لقراءة نجيب محفوظ ورواياته.
وأضاف انه في الوقت الذي نرى فيه انتشارا لبعض الروايات التي لا تستحق نجد بعض دور النشر المستقلة التي تدعم الكتابات المهمة. واختلف العايدي مع من شاركوه الحديث في الندوة معتبرا ان نجيب محفوظ هو الاكثر مبيعا في الفترة الزمنية التي واكبت اعماله.
وقال ان رواية يعقوبيان تعد النقلة الحقيقية لظاهرة الاكثر مبيعا في مصر حيث اتجهت دور النشر الاجنبية للتعاقد مع هذه النوعية من الكتاب وترجمة أعمالهم.
وتحفظ العايدي على تضيف هذه النوعية من الكتابات بانها ليست ذات قيمة. وقال ان ماركيز مثلاً هو الكاتب الاكثر مبيعا وانه ايضا الوحيد الذي رفع شأن جائزة نوبل واحتفت به الحائزه بقولها ان ماركيز اضاف للجائزة لذا فان ظاهرة الاكثر مبيعا ليست مقياسا لوزن الكاتب أو جودة المنتج.
وأشار إلى ان المصادرة من اكثر العوامل التي تساعد في عملية الترويج للكتاب أو الرواية كرواية عمارة يعقوبان. ومن المفترض ان تكون دوره حياة الرواية أو الكتاب سنة أما في مصر والعالم العربي فهناك ظاهرة غريبة فنجد ان دوره الحياة للكتاب تتراوح بين يوم واسبوع وشهر على اقصى تقدير مما أدى لانتشار ظاهرة الاكثر مبيعا دون النظر لجودة المنتج الادبي.

اقرأ أيضا