الاتحاد

تقارير

ثقافة السلام... رهان المستقبل

لقد سبب الحصار المفروض منذ يونيو 2007، والهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في عملية "الرصاص المصبوب"، دماراً هائلاً للبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني هناك. وإلى جانب آثار ذلك الكارثية، هنالك أيضاً الحصار الداخلي للعقول الذي بدأ يستحوذ خصوصاً على الشباب. إنه تطور قد يشكل على الأمد الطويل عائقاً أكبر أمام تحقيق السلام.
إن إسرائيل والأطراف الفلسطينية مسؤولتان، كل من منطلقه، بدرجات متفاوتة، عن حصار العقول هذا. ومع ذلك، يمكننا جميعاً، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني والآباء والمعلمون أن نعمل بشكل أكبر لترسيخ ثقافة السلام. ويتعين علينا، أن نعمل بجد لتعزيز قدرة الشباب على النظر إلى مواقفهم باستخدام عقلية معتدلة ومنفتحة، تتطلع نحو السلام والمصالحة مع "الآخر".
وعلى سبيل المثال، إذا طلبت من طفل في غزة اليوم أن يرسم صورة، فسيرسم على الأغلب مشهداً من العنف. وهكذا يتجاوب الأطفال مع حقيقة أن العنف حدث يومي، وقد تتم مفاقمته من خلال أي توجه تربوي يقف ضد السلام. وإضافة إلى ذلك، يعني الانقطاع عن باقي العالم أن هؤلاء الشباب محرومون من المعرفة والدراية بأن هناك بدائل كثيرة للحياة الصعبة التي يعيشونها.
خلال زيارة قمت بها إلى هولندا مؤخراً، حدثني سائق السيارة الذي أقلني من مطار أمستردام للفندق أنه قبل أسابيع نقل طالباً فلسطينيّاً قدم من قطاع غزة للدراسة في هولندا من المطار إلى الفندق. وعندما سأله السائق عن رأيه في هولندا، لم يستطع الطالب الشاب، الذي كان يخطو للمرة الأولى خارج قطاع غزة المحاصر، الإجابة سوى بأن أجهش بالبكاء الشديد من صدمة الحرية التي ينعم بها للمرة الأولى منذ ولادته.
إن التداعيات طويلة الأمد للإبقاء على الحصار، والمستويات الحالية من العنف، لن تقف عند حدود قطاع غزة فقط. فآثار هذا على السلام في المستقبل هائلة. وإضافة إلى ذلك، لن يكون ضيق الأفق محصوراً في أطفال غزة، حيث إن قطع الغزيين عن العالم معناه قطع الأطفال الإسرائيليين أيضاً عن الوعي بحجم معاناة الفلسطينيين.
ولذا فعلى الحكومة الإسرائيلية أن تتمعن جليّاً في نتائج سياساتها على الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي معاً. ويجب عليها أن تدرك أن الحصار الظالم وتوجهها العسكري يؤثر في كلا الشعبين. فإنهاء الاحتلال وصنع السلام مصلحة إسرائيلية أيضاً وبامتياز. فلا يمكن لدولة ما أن تحيا طوال الوقت في حالة حرب وعداء شبه كامل مع المحيط الذي تعيش فيه.
وكذلك على الأطراف السياسية الفلسطينية بكافة أطيافها أن تتمعن جليّاً في تداعيات سياساتها وبرامجها التربوية. فهي مطالبة بأن تراجع بعض سياساتها، وتمعن النظر في مسيرتها. وعليها أن تعيد التفكير بطريقة هادئة وحكيمة حول قضايا شائكة مثل إطلاق الصواريخ والعمليات التفجيرية وثقافة الحشد والعنف ضد "الآخر"، ليس من منطلق الاهتمام بهذا الآخر فقط، بل من منطلق جوهري هو أن ثقافة العنف تضعف من فرصنا لبناء مجتمع حيوي وقادر على استكمال مشروعه الوطني في فلسطين.
إن تعزيز ثقافة السلام والاعتدال في المجتمع الفلسطيني مصلحة فلسطينية بامتياز. وهذا لا يعني مطلقاً التوقف عن مواصلة النضال من أجل نيل حقوقنا في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، ولكن علينا أن نختار وسائلنا وخطابنا وبرامجنا بعناية وذكاء. ويتعين على الساسة، على كلا الطرفين، الاستماع لاحتياجات وتطلعات الناس، والعمل بجد من أجل ضمان مستقبلهم، وإلا سيجد الناس طريقاً آخر لصياغة مستقبل أفضل لأنفسهم.
وسيدرك القادة الإسرائيليون والفلسطينيون يوماً ما أن السلام هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل أفضل لكلا الشعبين. وتعتمد فرص تحقيق سلام مستدام في المستقبل على ما نفعله اليوم. فكل يجني ثمار ما يزرع. وإذا أردنا تفاحاً فعلينا أن نغرس بذور التفاح. وإذا أردنا أن نزرع السلام والتفاهم والتسامح لدى أطفالنا، فعلينا أن نغرس هذه القيم اليوم.


خبير اقتصادي ورئيس مؤسسة "بال ثينك" للدراسات الاستراتيجية
ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند"

اقرأ أيضا