الاتحاد

دنيا

الدراما الدينية والتاريخية فقر إنتاجي واستبداد رقابي


القاهرة ـ أحمد الجندي:
الحديث عن الدراما الدينية والتاريخية ذو شجون·· ويبدأ بأزمة التعريف فلا احد يعرف معنى الدراما الدينية·· لأن المفترض ان أي دراما تحض على الفضيلة والقيم الرفيعة وتخلو من الابتذال والتدني تعد دينية حتى لو كانت تحت عنوان ما يسمى بالدراما الاجتماعية·· وحصر الدراما الدينية في الحديث عن الغزوات الإسلامية وسير الصحابة والتابعين وتابعيهم جعلها غير ذات معنى وصارت مثل الاحتفاليات الموسمية المملة·· أو مثل شعر المناسبات الذي يخلو من الروح والتلقائية·
أما الدراما التاريخية فانها حملت اسما مغايرا يقدم نفس المعنى المقصود من الدراما الدينية وصارت مجرد مواعظ مباشرة مملة·· كما ان هذا النوع من الدراما يتكلف كثيرا ويحقق عائدا قليلا ولا يلقى اقبالا بجانب انه يذاع في أوقات ميتة ولا يدر إعلانات·
ويقول د· بهاء الدين إبراهيم احد كتاب هذا النوع من الدراما ان الدراما الدينية والتاريخية اسيرة لشكل وإطار واحد يعطي الاحساس بالنمطية والتكرار· لكن مؤلفي هذا اللون من الدراما لهم مبرراتهم فالقماشة التي بين ايديهم واحدة في أي دراما دينية أو تاريخية الا وهي اللغة العربية الفصحى التي تعتبر شكلا خطابيا وهذه الخطابة مرتبطة بالعصور القديمة التي تقدم عنها الدراما وهي لا تعطي مساحة ابداع كافية فالشخصيات هي نفسها النمطية القديمة ولا جديد فيها·
إمام الدعاة·· نقلة نوعية
وأضاف ان مسلسل 'إمام الدعاة' الذي يروي سيرة الشيخ محمد متولي الشعراوي شكل نقلة نوعية في كتابة الدراما الدينية وسجل أكبر نسبة مشاهدة بسبب البساطة التي قُدم بها حيث بدا كدراما اجتماعية لذلك يجب الاهتمام بالاطار السهل في كتابة الدراما الدينية والتاريخية بعيدا عن الاطر الجامدة التي تجعل العمل الديني أو التاريخي صعبا وقائما ولا يحظى بالمشاهدة الكافية·
وقال الكاتب سامي غنيم ان القائمين على التليفزيون المصري والفضائيات العربية ينظرون بدونية إلى هذا اللون الدرامي ويبخلون عليه ولا يتحمسون له ويعرضونه في توقيت صعب تكون فيه نسبة مشاهدة التليفزيون قليلة·
وأضاف ان النمطية في هذه الدراما ترجع إلى المعطيات المحددة سلفا أمام المخرج والمؤلف وهي ضرورة الالتزام باللغة الفصحى وبنوعية ملابس محددة بديكورات وظهرت في أعمال دينية وتاريخية شاهدها الجمهور من قبل وهذا يشعر المشاهد بانه امام عمل تقليدي نمطي· اضافة إلى تعامل الممثلين مع هذه الاعمال· فالممثل عندما يوقع عقد مسلسل تاريخي أو ديني يجهز نفسه لأداء نمطي يعتمد على الخطابة ومعظمهم يظنون ان هذا هو الاداء الانسب لهذه النوعية من الأعمال· والمخرجون ليس لديهم الوقت لاصلاح ذلك لانهم يبدأون تصوير هذه المسلسلات قبل رمضان بوقت قليل فيكون شغلهم الشاغل ضرورة الانتهاء من تصوير العمل ومونتاجه·
ويقول المخرج أحمد توفيق ان للديكور والملابس في هذه الأعمال جزء من الأحساس بالنمطية مع طريقة الاداء للممثلين· لكن المؤلف والمخرج يتمكنان من خلال المزيد من الجهد من تقديم رؤى جديدة لاعمالهم والدليل على ذلك ان هناك أعمالا ناجحة وحققت الاقبال الجماهيري مثل مسلسلات 'عمر بن عبدالعزيز' و'هارون الرشيد' و'الفرسان' و'امام الدعاة' و'رجل الاقدار' وغيرها·
تكاليف كبيرة
وأضاف ان المشكلة التي تواجه هذه الاعمال والفنانين الذين لديهم الرغبة في تقديمها هي الانتاج لأن هذه الاعمال باهظة التكلفة بسبب ديكوراتها وملابسها ومجاميعها والفقر في الانتاج يجعل هذه الاعمال تخرج بشكل سيئ عكس الأعمال الدينية والتاريخية التي تقدم في الخارج حيث يرصدون لها ميزانيات ضخمة ويصرفون عليها أموالا طائلة حتى تخرج بالشكل اللائق ويكفي انهم يرفضون تماما استخدام ديكور واحد في عملين حتى ولو كانت الحقبة الزمنية متشابهة لانهم يحرصون على المصداقية·
ويرى المخرج مصطفى الشال ان مسؤولية المخرج صعبة في هذه الاعمال فهو مطالب بأن ينقل الرؤية والقضية التي يطرحها المسلسل وسط ظروف صعبة ومعوقات لا حصر لها سواء انتاجية أو رقابية مع نظرة متدنية لهذه الأعمال· مع تقاعس الجهات الانتاجية عن تقديم هذه الأعمال بحجة انها لا تحقق نسبة المشاهدة المرتفعة ولا تلقى الرواج الجماهيري ولا تدر عائدا اعلانيا·
ويضيف: ان أي جهة انتاجية تتصدى لتقديم مسلسل ديني أو تاريخي تفعل ذلك كتأدية واجب في ميزانيته وتكاليفه فيخرج المسلسل مشوها وفقيرا ومهما كانت براعة المخرج فإنه لا يستطيع ان يفعل شيئا حيال كل هذه المعوقات التي يضعونها أمام هذا اللون الدرامي·
ويقول الفنان حسن يوسف: ليس الانتاج وحده هو المشكلة بل ان الفكر أيضا من أهم المشاكل·· أي رؤية الجهات الدينية الرقابية ورؤية مؤلفي هذه الاعمال ومخرجيها· حيث يتم التعامل مع العمل الديني بتشدد وبخل· وموافقة الرقابة على هذا اللون مصحوبة بالعديد من المحذوفات من السيناريو· واحيانا تكون هذه المحذوفات غاية في الأهمية ولها تأثير سلبي كبير على هذه الأعمال وتفقدها مصداقيتها لان المشاهد يفهم ان الدراما التي يشاهدها ناقصة وغير مكتملة·
واضاف: ان أي مشهد معركة يشارك فيها 5 آلاف جندي يوفر له الانتاج 200 فرد ويقول ان هؤلاء يكفون ولو طلب المخرج بناء ديكور لحي إسلامي كامل في الصحراء - مثلا- نجده فقيرا للغاية وكذلك الحال مع الملابس والاكسسوارات· كما ان معاملة القائمين على شاشات التليفزيون العربية لهذه الاعمال سيئة·
ازدواجية
وقال الفنان نور الشريف إن الرقابة على الأعمال الدينية والتاريخية تعاني من ازدواجية شديدة· فباضافة إلى الرقابة التليفزيونية العادية هناك رقابة الجهات الدينية وهي صارمة ومسلسل 'رجل الأقدار' الذي تناول شخصية 'عمرو بن العاص' اصر فيه الأزهر الشريف على حذف كل ما يتعلق 'بالفتنة الكبرى' رغم انها جزئية مهمة·
وأكد ان هذا المسلسل تعرض لانتقادات حادة من جانب المشاهدين والنقاد والمتخصصين لان الجميع يعرفون تماما دور عمرو بن العاص في الفتنة الكبرى وعندما يتناول مسلسل حياته وتاريخه دون الاشارة إليها يقلل هذا من قيمة المسلسل·
واضاف: عندما قدمت شخصية 'عمر بن عبدالعزيز' كانت هناك العديد من المحاذير الرقابية من جانب الأزهر فمثلا عمر بن عبدالعزيز كانت له طريقة شهيرة في المشي عُرفت 'بالمشية العمرية' لكن الأزهر طلب عدم تناول ذلك لانهم وجدوا ان هذه الطريقة تفقد الشخصية الرصانة·
ويقول الفنان عبدالرحمن أبوزهرة: نادرا ما ارفض عملا دينيا او تاريخيا رغم قناعتي بان عناصر الجذب في هذه الأعمال أقل كثيرا من عناصر الجذب في الالوان الاخرى·
وأوضح ان انتاج مسلسل ديني أو تاريخي أكثر صعوبة من انتاج أي دراما اخرى بسبب التكاليف الباهظة التي تجعل جهات الانتاج تفكر كثيرا قبل الاقدام على الانتاج·· اضافة إلى النقص الملحوظ في الحرية الابداعية بسبب الرقابة المزدوجة على أي عمل ديني وحتى سنوات قليلة لم يسمح الازهر بتقديم أي من شخصيات الصحابة وحتى الان لا تزال هناك محاذير في تناول عدد من الشخصيات الإسلامية وحتى الآن غير مسموح لأي كاتب أو مخرج بطرح الاخطاء التاريخية التي وقعت في الماضي والتي ربما تكون عنصر جذب في هذه الدراما·
وقال الناقد الفني طارق الشناوي: اعتقد ان جزءا من الخلل يقع على عاتق المؤلفين لهذه الأعمال فأحيانا اجد الحوار الذي ينطقه الممثلون منقول تماما من كُتب التراث بل بعضهم يستسهل أكثر ويكتب الحوار بطريقة 'الصنايعي' وليس المبدع وهدف هؤلاء الربح المادي وليس القيمة الفنية لذلك لا نشعر بمتعة أثناء مشاهدتنا لهذه الأعمال ونقول ان العمل نمطي ومكرر·
واضاف ان الرقابة المزدوجة على هذه الأعمال خاصة رقابة الأزهر افقدتها الكثير من مصداقيتها لانها تعترض على الكثير وتسمح بالقليل فهناك العديد من الشخصيات الإسلامية مُنع ظهورها تماما وهناك العديد من المواقف التاريخية الشهيرة يحظر ذكرها أو الحديث عنها أو التعرض لتفاصيلها والأزهر يريد ان تكون الأعمال الدينية والتاريخية اقرب إلى الدروس الدينية أو الخطب وهذا يؤثر سلبا على الدراما·

اقرأ أيضا