الاتحاد

الملحق الثقافي

المرأة تكتب لتكتشف ذاتها والعالم

علويه صبح (يمين) ورنا إدريس وليلى العثمان في الندوة

علويه صبح (يمين) ورنا إدريس وليلى العثمان في الندوة

في واحد من لقاءات منبر الحوار، التقى جمهور المعرض مع كاتبتين روائيتين نالتا شهرة كبيرة، ونالت رواياتهما الكثير من الاهتمام سلبا وإيجابا، مديحا وتشهيرا، هما الكويتية ليلى العثمان واللبنانية علوية صبح. اللقاء تناول محاور أساسية من كتابة وإبداع المرأة العربية وصورتها وما تتعرض له من اضطهاد وقهر وسوء فهم من قبل المجتمع عموما، وحتى من قبل نخبة النقاد والقراء المثقفين.
الجلسة التي أدارتها رنا إدريس مديرة دار الآداب تناولت سريعا قضايا تخص كتابة جديدة على المجتمعات العربية، وطرحت أسئلة كثيرة ذات طابع يتعلق بطبيعة وتفاصيل الرواية التي تكتبها المرأة، وفي البداية كان الحوار مع ليلى العثمان حول روايتها “حلم الليلة الأولى” الصادرة عن دار الآداب، والتي كانت قد صدرت منذ سنوات بعنوان “العصعص”، وجرى الحديث عن قصة الطفل المصاب بعقدة قطع أذيال البهائم بعد مشاهدته والده عاريا واعتقاده أن لوالده ذيلا، حيث يطرح هنا موضوع تكاتف عوامل اجتماعية عدة تجعل من هذا الطفل كائنا غريبا يرتكب هذه “الجريمة”. كما تطرح الرواية سؤال العنف تجاه الأنثى وما ينتج عنه من مسارات في حياة بطلات الرواية. وتطرق النقاش إلى استخدام الكاتبة المغرق للكلمات العامية المحلية الذي قالت إنها تسعى من خلاله إلى تأكيد هذه المحلية وتطعيم رواياتها بها، ما يمنح الرواية نكهة خاصة. كما تحدثت العثمان عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة قائلة إن هذه العلاقة متعددة الجوانب والأبعاد، فهي تنطوي على عطف وحنان من جهة، ومن جهة ثانية تعبر عن ذكورية عالية من خلال اشتهاء عدد من النساء ومحاولة جمع ملامح من كل امرأة في صورة الزوجة.
وتحدثت ليلى العثمان عن أعمال قادمة لها قائلة إنها تعكف على كتب حول الأسفار في المعنى المتعدد والمختلف لما تعنيه الأسفار، فهي كتبت عن رحلاتها وتنقلاتها منذ كانت طفلة وعاشت في بيروت فكتبت “لبنان نصف القلب”، وتناولت ما يتطلبه الترحال من تحضيرات نفسية وجسدية وما ينجم عنه من بهجة ومشاعر جمالية من جهة وما يقابل ذلك من متاعب ذات طابع مأسوي من الجانب الآخر. وختمت العثمان بالحديث عن طبيعة كتابة المرأة واقترابها من السيرة في بعض كتاباتها قائلة إن التهمة التي لاحقتها كانت بسبب قربها من شخصياتها، لكن ذلك لا يعني التماهي مع هذه الشخصيات، إذ لا يمكن للكاتبة التي تكتب عن المومس مثلا أن تكون قد قامت بهذا الدور.
ومن جهة أخرى قالت العثمان إنها لا تكتب من أجل التغيير، فهذا النوع من الكتابة يحيل إلى الخطابة والوعظ والتقريرية، بل هي تكتب من أجل تحريض المرأة والمجتمع عموما على الانتفاض ضد القهر والمعاناة، وبذلك يكون إسهام الكتابة في التغيير إسهاما غير مباشر.
أما علوية صبح فقد تركز الحديث حول روايتها الجديدة “اسمه الغرام” التي جرى الكثير من اللغط الإعلامي حولها، خصوصا عند ترشحها لجائزة (البوكر العربية)، وكان السؤال الأساسي حول قصة بطلتها “نهلا” وما تمثل بالنسبة إلى الكاتبة، حيث تحدثت علوية عن محاولتها، في هذه الرواية ومن خلال هذه الشخصية، تمجيد أنوثة المرأة وعالمها في سن الأربعين، وما يعنيه الجسد بالنسبة للمرأة في هذا العمر.
وتوقفت علوية عند مفهوم الجسد الأنثوي الذي لا يمكن أن يقتصر على البعد الجنسي بل يتجاوزه بالتأكيد إلى أبعاد أخرى تتعلق بمدى قدرة الجسد على أن يكون جسرا بين المرأة والعالم، حيث أن علاقة المرأة بجسدها يمكن أن تحدد طبيعة علاقتها بالعالم من حولها، ومن خلال الجسد يمكن للمرأة اكتشاف العالم عموما والرجل خصوصا، والهدف الأساس للكاتبة هو محاولة اكتشاف العمق الحقيقي للإنسان في الرجل والمرأة وعلاقتهما.
وفي حديثها عن مدى التشابه بينها وبين بطلات رواياتها تحدثت علوية صبح بصراحة عما يمكن تسميته العفوية والصدق في تناول الشخصيات وعن تقمصها لشخصياتها سواء كانوا ذكورا أم إناثا، وتطرقت إلى كون الكتابة بالنسبة لها هي محاولة لكسر هيمنة الذكورة على المشهد الروائي وما يقوم به الكتاب الذكور من استيهامات تبرز الغزو الجنسي لجسد المرأة الذي يبدو هدفا سهلا، في حين تحاول هي استعادة قدرة المرأة على التعبير عن جسدها ومكانته وقدسيته بطريقتها الخاصة. فالرواية بالنسبة لها لا يمكن أن تكون سيرة ذاتية، بل هي رغبة في التعبير عن تعددية النظرة من خلال تعددية الشخوص والأبطال في الرواية، فالفضاء الروائي هنا فرصة لاستعادة قصص وحكايات تسردها النساء تعبيرا عن رغبات دفينة عبر القرون.
وحول سؤال قدرة الرواية على التغيير تقول علوية إنها لم تفكر يوما أنها تكتب من أجل التغيير أو كصاحبة رسالة وخطاب عليها توصيلهما، بل تكتب لتكتشف وتكشف عما يجري من حولها وما تستبطنه ذاكرتها من عوالم المرأة التي تعيشها وتكتب عنها. ولكن هذا لا يمنع القول إن كل رواية قادرة على تغيير قارئها بصورة ما وبقدر ما. وهذا هو شأن الإبداع عموما عبر العصور. وعن عملها القادم قالت علوية إنها ستقدم عملا مختلفا حيث اختارت السرد بلسان الرجل بدلا من الراوية المرأة التي ظلت حاضرة في الروايات الثلاث التي قدمتها.

اقرأ أيضا