الاتحاد

الملحق الثقافي

(H +)..هل نحن أمام آدم الحديدي؟

فريدوم اسفندياري غير اسمه إلى  (FM2030) ثم قام بتجميد جسده بعد وفاته على أمل أن تتمكن التكنولوجيا في المستقبل من استنساخ معلومات جسده في جسد آلي (أرشيفية)

فريدوم اسفندياري غير اسمه إلى (FM2030) ثم قام بتجميد جسده بعد وفاته على أمل أن تتمكن التكنولوجيا في المستقبل من استنساخ معلومات جسده في جسد آلي (أرشيفية)

يوماً بعد يوم تتزايد الأصوات التي تنتمي إلى هذه الحركة الجديدة المسماة بـ «ما بعد الإنسانية» والتي تنادي بضرورة التخلص من الجسد، منطلقة من فهم يعتبر الإنسان مجرد جملة من المعلومات التي يمكن حوسبتها وتخزينها في رقائق إلكترونية... لكن ما هي هذه الخصوصية الإنسانية التي قد لا يتمكن السايبورغ (the cyborgs) من بلوغها مهما تطورت العلوم التي تعمل على ذلك؟ هل مصيرنا كبشر هو الاندماج مع الآلة؟ هل السايبورغ هو مستقبل الإنسان أم نحن مقبلون على مستقبل بلا إنسان؟


تضم حركة ما بعد الإنسانية (post-humanisme) طيفا من المفكرين والباحثين والمناصرين لفكرة ضرورة الدخول في مرحلة جديدة، تتجاوز فيها البشرية ذاتها بحيث تعمل على التغلب على الأزمات الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك عن طريق الاستفادة بشكل عام من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا. أما مصطلح (transhumanisme) وهو المفضل في العالم الأنغلوساكسوني، فهو يشير إلى تجاوز الإنسان الطبيعي كما هو اليوم نحو «إنسان» آخر يستفيد من التطورات الحاصلة في مجال العلوم والتكنولوجيا كي يطور إمكاناته. أي أن المصطلح يشير إلى مجموع التحولات التي يقوم بها الإنسان من أجل تجاوز طبيعته الجسدية البيولوجية بغرض الوصول إلى تحسين قدراته، لذلك غالبا ما نرمز لهذا الاتجاه بـ (H+).

ومن أبرز الأسماء المدافعة عن هذا الطرح (FereidounmEsfandiary) الذي غير اسمه فيما بعد إلى (FM2030) ثم قام بتجميد جسده بعد وفاته (توفي في عام 2000) على أمل أن تتمكن التكنولوجيا في المستقبل من استنساخ معلومات جسده في جسد آلي. وهناك أيضاً ماكس مور (maxmore) الفيلسوف البريطاني المهتم بتطوير الإنسان. وراي كيرزويل (raykurzweil) الذي يمكن اعتباره أحد أكبر بابوات مرحلة عبر الإنسانية.

تأصيل الفكرة
ظهرت الفكرة في بدايتها مرتبطة بمشروع غزو الفضاء وتعمير الكواكب الأخرى، فهذا المشروع لن يكلل بالنجاح مع هذا الإنسان الطبيعي والمحدود الإمكانيات، وعليه، ينبغي تصنيع هذا السايبورغ القادر على أداء مهام استكشافية في الفضاء الخارجي يستحيل علينا نحن البشر القيام بها. ثم استمرت الفكرة مع المشاريع المرتبطة بالجيش الأميركي وذلك على نحوين، الأول: تكوين هذا الجندي الخارق وتزويده بكل التكنولوجيا اللازمة للفوز في معاركه، والثاني: توفير قطع الغيار الآلية للجنود الذين كانوا يعودون معطوبين من المعارك وخاصة المعارك في أفغانستان والعراق.

وتستند هذه النظرية الى فكرة مفادها أن الثورات التكنولوجية التي نعيشها اليوم وعلى رأسها النانوتكنولوجي والبيوتيكنولوجي والسيبرنيتيقا وأخيرا ثورة الاتصال والمعلومات وهي العلوم التي تختصر عادة في (NBIC) كلها علوم تمنحنا إمكانية التحكم في جسد الإنسان وتصنيع أعضائه، بل والتحكم في أبعاده النفسية والعقلية عن طريق حوسبة كل قدراته داخل رقائق إلكترونية.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن أفكار من نوع (الحلم بالخلود، التفوق، والشباب الدائم، والصحة، والقوة اللانهائية) كلها بات بالإمكان تحقيقها بواسطة هذه العلوم. إن الوعود الإلهية التي وعدنا بها الله بات بإمكاننا تحقيقها تقول ما بعد الإنسانية داخل المعامل والمختبرات التي تسهر على صنع هذا السايبورغ الذي سيكون حاضرا في كل الفضاءات العمومية عما قريب.

بشري بقدرات خارقة
يقصد بمفردة (Lasingularité) وهي واحدة من المفاهيم الأساسية التي يستعملها هذا الاتجاه، الوحدة المركبة بين ما ينتمي للخصائص البشرية كالتفكير والإحساس، مثلاً، وما ينتمي للخصائص السوبرنتيقية الرقمية. بمعنى أننا سنجد أنفسنا نتيجة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم السبيرنيتيقا أمام إمكانية محاكاة الكمبيوتر للوعي البشري (1) وبالتالي أمام كائن جديد لم يوجد من قبل فوق الأرض له صفات بشرية ولكن بقدرات آلية خارقة، وهو قادر على أن يضمن استمراريته وخلوده ولكن ليس كما كان يفعل سلفه البيولوجي بواسطة الإنجاب بل بواسطة تصنيع ذاته وتحسين قدراته كما عبر راي كيرزويل: «سوف تخلق التكنولوجيا نفسها تكنولوجيا جديدة» (2).

هكذا سنتمكن أخيرا من اختصار المليارات من السنين التي تطلبها التطور في بضع سنين فقط. بطريقة أخرى نحن نسير باتجاه التحكم في التطور. في نظر هذا الاتجاه لماذا نترك هذا الأخير متروكا للصدف الطبيعية، عليه أن يصبح عبارة عن تطور صناعي متحكم فيه وموجه بواسطة الذكاء الاصطناعي. لقد كنا منذ فجر التاريخ في حضن الطبيعة، وحتى الثورة الصناعية كانت تهدف إلى التحكم فيها بما يسمح بالعيش ضمنها، أما الآن فنحن نعمل على تصنيع طبيعة جديدة. باختصار مع المفردة سنكون أمام آدم الثاني آدم الحديدي.
تحسين الإنسان (Improvinghumanperformance) وهو الشعار الذي رفعته ما بعد الإنسانية لا يعني أن التكنولوجيا ستتدخل فقط من أجل تقويم عمل الطبيعة وتعويض الأعضاء التالفة. بل إن تحسين الإنسان في هذا السياق يعني تصنيع إنسان متفوق بكثير على الإنسان الطبيعي. يبدأ السايبورغ بالضبط في اللحظة التي تمنحنا التكنولوجية قدرات ما فوق بشرية.

هويتنا البشرية.. مهددة
إن التغيرات التي من المنتظر أن تحصل في الهوية البشرية من شأنها أن تطبع الوجود البشري برمته بطابع غير مسبوق. لقد اعتدنا على الموت والألم والرغبة والخطأ، أي ما كان يدعوه الفلاسفة بشرط الوجود البشري ألا وهو التناهي، فإذا كان مقدرا للتقدم التكنولوجي أن يتجاوز هذا الشرط فهل نحن مستعدون لتقبل ذلك؟ بمعنى، هل نحن مستعدون للعيش في عالم يخلو من الموت والألم والرغبة؟ هل سنتقبل ككائنات ما بعد إنسانية أن نعيش ذلك الحلم القديم بالخلود الأبدي؟ إذا تمكن الإنسان من صنع هذا السايبورغ بكامل المواصفات البشرية، ليس فقط الجسدية بل أيضا العقلية والنفسية، فإن هذا من شأنه في نظر فرنسيس فوكوياما أن يطرح مشكلا كبيرا أمام الكرامة البشرية: «لأن ذلك يعني أنه قد تحقق البرهان القاطع على أن البشر ليسوا جوهريا أكثر من آلات معقدة يمكن أن تصنع من السيليكون والترانزيستورات بسهولة صنعها نفسها من الكربون والعصبونات» (3) رغم أن فوكوياما يشك في إمكانية تحقق هذا الأمر إلا أن الكثير من آباء عصر ما بعد الإنسانية وعلى رأسهم راي كورتزوايل، يعتقدون أن هذا الأمر سيتحقق ابتداء من 2030 حيث سنتمكن من إصدار النسخة 02 الآلية التي ستتجاوز بكثير في قدراتها النسخة 01 للإنسان الطبيعي. لسنا في الواقع سوى: «تريليونات وتريليونات من التفاعلات الجزيئية العشوائية لا أكثر»، يقول رودني بروكس الأستاذ في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا (4).

مستقبل مروع

إن المتفائلين يقولون إن المستقبل هو للإنسان شريطة أن نوسع مفهومنا للإنسان. مع ذلك يكفي القليل من التمعن في الموضوع كي ندرك أن المستقبل هو بلا إنسان، وذلك بالنظر إلى أن الجسد الإنساني هو محل لتعيين الهوية الذاتية الخاصة بكل فرد، فأن نتخلص من الجسد معناه أننا قد تخلصنا من الإنسان من أجل ولادة كائن جديد لا يمكن أن نقول بأنه سيطورنا ولكنه بالأحرى سيستبدلنا ويخلفنا. أن نتخلص من الجسد هو أن نتخلص من أنفسنا من ذاتنا التي تشقى وتتألم، تحب وتكره وتصيب وتخطئ وتقلق. لقد تحدثت الفلسفة طويلا عن الشرط الإنساني وأبدع الأدب في هذا الموضوع أعمالا خالدة، لكن ها نحن اليوم على مشارف تجاوز هذا الشرط من أجل ذلك الحلم القديم بيوتوبيا الخلاص الذي يعدنا به الدين. إكسير الخلود تقول العبر إنسانية سنشربه عما قريب من وادي السيليكون.

ورغم كل هذه التخوفات وغيرها: هل نملك الخيار فعلاً؟ ألا يمكن أن يكون ظهور هذه السيبورغات هو السبيل الوحيد لخلودنا فاختفاؤنا الوشيك قد لا يترك أمامنا من خيار آخر سوى البحث عن خلف لنا حتى وإن كان هذا الخلف يهددنا في هويتنا ومصيرنا. هل هناك حدود أخلاقية على العلم أن يتوقف عندها. وهل ستصمد الأخلاق أمام التقدم التكنولوجي. كل هذه أسئلة تطرح نفسها بقوة ونحن على أبواب هذا العصر الجديد. لقد فشلنا في أن نصبح بشرا، عندما طمحنا على طول مراحل التاريخ وبالخصوص التاريخ المعاصر إلى أن نكون آلهة. الآن لنتوسل الطبيعة علها تحافظ علينا فقط كحيوانات أليفة، لأننا بالفعل أصبحنا وحوشا كاسرة. إنه وضع مفارق ينتظر البشرية، إذا كنا بالفعل كما تعدنا التكنولوجيات الجديدة على أبواب الخلود والسعادة والصحة الدائمة، وأنه بات أخيرا بإمكاننا أن نتحكم في مصيرنا وتطورنا فإن السؤال الأساسي الذي يتعين علينا الإجابة عليه هو: هل نحن مستعدون للعيش في الجنة.


وحوش كاسرة
هل هناك حدود أخلاقية على العلم أن يتوقف عندها، وهل ستصمد الأخلاق أمام التقدم التكنولوجي؟
ثمة حقائق كثيرة تشير إلى أننا فشلنا في أن نصبح بشراً عندما طمحنا إلى أن نكون آلهة والآن لنتوسل الطبيعة علها تحافظ علينا فقط كحيوانات أليفة لأننا بالفعل أصبحنا وحوشاً كاسرة.

الهوامش
The singularity is -1 near. ray kurzwail first publidhed in usa by viking penguin 2005

ترجم هذا الكتاب إلى الفرنسية تحت عنوان Humanité 02 La bible du changement traduit par adeline mesmin M21 Editions 2007
2 راي كيرزويل: عصر الآلات الروحية عندما تتخطى الكمبيوترات الذكاء البشري، ترجمة عزت عامر، نشر كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة 2009 ص 32.
3 فرنسيس فوكوياما: مستقبلنا بعد البشري عواقب ثورة التقنية الحيوية، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، الطبعة الأولى 2006 ص 209.
4 جون بروكمان: الخمسون سنة المقبلة مستقبل العلوم خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، ترجمة فاطمة غنيم، نشر هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الطبعة الأولى 2009 ص 148.

اقرأ أيضا