الملحق الثقافي

الاتحاد

سلمى مطر سيف.. السرد جارحاً

image0133

image0133

ساعة.. وأعود

يحكى في بلدنا أن رجلاً حبس ابنته فلم تخرج إلا مرة واحدة قالت: ساعة وأعود.
أبوها ينتظر عند حافة الشارع، ويبقى ساهر الليل والنهار، أحياناً يجلس وأحياناً ينكمش أحياناً يتأهب كأنه سينقض على ألمه، وأحياناً يتردد من بداية الشارع إلى نهايته، يركض كمجنون ويتباطأ كتائه ـ وعندما يقترب أحد من الناس ليأخذ بيده إلى البيت ليهدأ، يزعق في وجهه ويبكي كبكاء الأطفال وأشد ويقول: تعذبني كلماتها، أذني تطن بصوتها الرقيق، تقول لي: ما زلت مسجونة.
يتجمع المارة حول الأب الذي يحكي لنفسه «جاءتني وهي متزينة بثوب أزرق يشبه الموجة البعيدة، ومغطية رأسها وصدرها، العصفوران على أهبة الطيران بغطاء حالك، كانت تفوح منها رائحة الحناء.. لم تكن تنظر في وجهي، قالت إنني ذاهبة إلى الشارع ساعة وأعود. ولم تنتظر مني الإيجاب أو النفي وخرجت من فوهة الباب»..
«بعد ساعة لحقتها وأنا مذهول وشاتم لنفسي، كيف تركتها بتلك البساطة.. وعندما خرجت إليها، رأيتها وسط الشارع بجانب الناس، كانت تتحادث معهم ويختلط صوتها بأصواتهم لحقتها، عندما رأيتها تذوب وسط صراخ الشارع وتختفي رويداً رويداً كما تختفي الغيمة البيضاء في السماء الحارة، جريت وراءها بطول الشارع وبامتداد الناس وأنفاسهم المختلطة وكنت لا أصل إليها، كانت تنسحب ببطء مميت عني وأنا أركض وراءها في لحظة ما تيقنت أنني أمسكت يدها الدافئة وضممتها إلى صدري، قلت في أذنها نعود إلى البيت، ويممت راجعاً.. لكن ما لبثت أن عدت إلى رشدي، كنت كالحالم في منامه أنه يمسك فاكهة لذيذة وعندما صحا رأى يديه مسكونتين بالفراغ.. آه كانت تختفي أمام ناظري أجري والريح تضربني اختفت ولم أعد أميزها بين المارة وصدى صوتها يقول «ساعة وأعود».
استنفرت البلدة تبحث عن غريبة وقد حددت ملامحها من حديث الأب الفاجع، كان يناديها ويناغيها بأعذب الكلمات يذكر كل لمحة فيها، كل خلجة، وقع مشيها تمس الأرض وتتطير منها، عيونها سحابة قاتمة من الحزن، ووجها لؤلؤة سمراء، يقول بأنها غريبة عن الناس.
بحث الناس كل البيوت والطرقات والزوايا والأحجار والبحار ووجوه الناس.. الأب ما زال متصلباً ينتظر أمام حافة الشارع، ينكمش وينطلق، يعوي ويغني ولا ينام.. وما زال إلى يومنا هذا، برغم الروايات التي أدلى بها كل أهالي البلدة، شيوخها وأطفالها ونساؤها ورجالها، وبرغم الوقائع التي تلت الشهادات، كل هذا حدث في فترة زمنية لا تقل عن ساعة، التي تحدثت عنها غريبة، وتلك الساعة الدائرية تشرنق الأب فيظل يحوم حول الشارع.
قال رجل من البلدة، في وقت من الليل ليس بالمتأخر، كنت ذاهباً لصلاة العشاء، وعلى حافة الشارع الذي أقطعه عابراً إلى المسجد، شاهدت فتة شابة ترتجف كطير مبلول، كان صدرها الصغير يعلو ويهبط، تنظر إلى وجهة الشارع.. وتحدث نفسها، لم أسمعها إلا عندما اقتربت منها، حسبي الله من الشيطان الرجيم ملعون شيطان الأرض، عندما اقتربت منها هزت نفسي كانت مكحولة بلون الشمس الغاربة، كانت عسلاً أسمر.. خفت عليها من نفسي وبقيت متوتراً أمامها أعرق واجفاً، قلت لها.. «أدخلي إلى بيتك الشارع غير مأمون..» نعم خفت عليها أن ينهشها المارة.. نظرت إلي ثم استدارت إلى الشارع، قالت بلغة مفككة وكأنها تدخل في نفسها ولا تخرج «الشارع يمضي ولا ينظر إلي..».
أكمل الرجل.. ثم رأيت الفتاة تقول لنفسها..
«سأرص حجراً في الشارع».
وتناولت حجراً قذفته إلى عمق الشارع.. ولا أذكر سوى بلبلة عصفت بالمكان، توقف المارة والعابرون وهاج الشارع وارتفعت الأصوات لاعنة.. وعندما بحثت عن الغريبة وسط الجمع رأيتها واقفة محل سقوط الحجر.. نسيت ما حصل بعدها.. ثم بعد ساعة رأيت الغريبة تلف غطاء رأسها وتدخل مع شرطي في سيارته.. قال الأب لنفسه «قالت ساعة وأعود، لا شك أنها ضلت الطريق مسكينة لا تعرف الطرقات.. فقط تعرف طريق قدميها حول النخلة التي في البيت، لا شك أنها ضلت الطريق..».
-------
من كتاب (النشيد: قصص من الإمارات)، منشورات المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، (ص 37 ـ 38 ـ 39)

اقرأ أيضا