الاتحاد

الملحق الثقافي

مدينة بطعم البهارات

الاسواق تعرض بضاي?ع من كل شكل ولون

الاسواق تعرض بضاي?ع من كل شكل ولون

(1)
لقطات من مدينة صاخبة

بعد أسابيع من هدوء القرى والمدن اللاوسية الصغيرة سيحلو لي الآن أن أمتلئ بضجة العالم من جديد داخل هذه المدينة التي تضطرب بفوضى شبيهة بما يمكن أن يتخيله المرء عن ساعة الحشر والنشور. تلج بنا الحافلة شارعا موازياً للشارع الفسيح الذي كنا نسير فوقه منذ أن عبرنا جسر نهر صاب الذي كنت أظنه الميكونغ. بعد عبور الجسر كان أمامنا بولفار واسع مرتب وبنايات نظيفة وأنيقة على جانبيه، وكانت هناك أشجار ونباتات وزهور مما جعلني أستبشر خيراً بمدينة حسبت أنها لن تكون بجفاف بانكوك وسايغون اللتين تتكدس فيهما البنايات وتتلاصق بطريقة تبعث على النفور. جمع غفير من الرجال، كوكبة متدافعة قد هرعت من الشارع المقابل للمكان الذي توقفت فيه الحافلة في محطتها الأخيرة. ما لايقل عن عشرين شخصاً انقضوا على باب الحافلة في هرج شديد يصيحون جميعهم في جلبة واضطراب، يتدافعون ويسدون علينا طريق النزول في حالة شبيهة بالهلع: موتوبايك، تاكسي، هوتيل، غاست هاوس، هالو سير، هالو مستر...!
بعد التخلص، ليس دون صعوبة، من هجمة سواق الريكشا والموتوبايك سيكون علي أن أشق طريقي بعسر عبر الشارع الرئيسي، وأن أصارع من أجل انتزاع حيز ضيق أسير فيه مجرجرا حقيبتي بين دفق متواصل زاعق مبوّق من السيارات وشتى أنواع العربات، المجرورة منها بالدراجات النارية الصغيرة والمدفوعة بالدراجات الهوائية والأخرى التي تتحرك بطاقة الأذرع البشرية محمّلة جميعها بكل ما يمكن أن يتصور المرء من الأشياء: كراتين، أكياس، كراسي، طاولات، أوان منزلية متنوعة، أكداس من الخضار والبقول، قطع خشب... لا مكان للمترجل فوق الرصيف لأنه لا يوجد سنتمتر واحد لا تحتله الدراجات النارية والسيارات المتوقفة أو مصطبات الأكلات السريعة وطاولات الباعة التي يعرضون فوقها شتى الأغراض، متلاصقة كلها وملاصقة تقريبا لأبواب المحلات التجارية.
عليك إذن أن تسلك طريقك مباشرة وسط الشارع مسترقاً لك حيزاً ضيقاً ومتغيراً على الدوام، أن تسير بخطى ثابتة ستجعل الآخرين يحيدون يميناً أو شمالًا ليفسحوا لك مكاناً للعبور. تلك هي الطريقة التي تعلمتها منذ مروري بمدينة هانوي.
***
أقف في شرفة غرفتي بفندق سنغافورة في نقطة تقاطع بولفار مونيفونغ وشارع كمبوديا في موقع المركز من وسط المدينة غير بعيد من السوق المركزية الكبيرة المتربعة في شكل نجمة صفراء ضخمة وسط ساحة فسيحة يحوم حولها على الدوام دفق هادر متواصل.
الساعة الخامسة بعد الظهر: من تحتي سيل الحركة المتدفق لا يعرف انقطاعا ولا هدنة، بل لكأنه قد بلغ ذروة تهيجه والشمس تميل الآن باتجاه الغروب. سيارات، عربات ريكشا مجرورة بالدراجات النارية وأخرى تدفعها دراجات هوائية، عربات مدفوعة بالأيدي، دراجات نارية، شاحنات تتقدم زاحفة بحمولاتها الثقيلة، دراجات الموتوبايك المتسللة بين العربات داخل حيز ضيق تبدو كما لو أنها تدفع بمرفقيها الكتلة المتلاصقة لتوسّع من فسحة صغيرة تسترقها بين عربة وعربة أخرى لتتسلل منها وتمضي، متقدمة بتعرجات ومراوغات مرنة لم أر في الدنيا كلها من يجيدها مثلهم غير سكان هانوي وسايغون. أرى الازدحام، وقد تكثف، يحوّل المشهد من تحتي إلى كتلة متلاصقة متدافعة في كل الاتجاهات، وأشعر لحين بأن الحالة قد غدت تهدد بحدوث كارثة لم تعد قادرة على تأجيل حصولها. تتوقف الحركة لبضعة ثوان، لدقيقة أو دقيقتين ويغدو بإمكاني أن أميز الأجساد بوضوح وبعضا من ملامح الوجوه: ثلاث خمير قابعون فوق عربة تجرها دراجة نارية محمّلة بعدد هائل من الكراتين، لا يطل من وجوههم غير جزء صغير من تحت أغطية الرأس الخميرية المرقطة بالأبيض والأحمر الملفوفة على هيئة عمامة. امرأة تجلس فوق ركام من الأكياس منفرجة الساقين قليلًا ومتكئة بظهرها على أغراض أخرى وراءها كما لو كانت تجلس على أريكة في صالون. سائق ريكشا بقبعته السوداء وهيأته النحيلة يضع إحدى قدميه على الأرض موقفا تقدم عربته، بينما قدمه الثانية على مدوس الدراجة في انتظار تحرك العربات والسيارات المتجمدة في نقطة التقاطع التي بلغ التزاحم الفوضوي فيها حدا أقصى لم يعد يسمح بالتحرك، السائق المتجمد في تلك الوقفة المتأهبة للانطلاق في كل لحظة، يبدو بوجهه الشاحب الداكن وعينيه الغائرتين ذا قسمات مقفلة صارمة كما لو أن مجمل جهود نهار بكامله من الكد المضني تتكثف كتلة واحدة من التوتر فوق هذا الوجه، هنا في هذه النقطة التي توقفت فيها الحركة لاستراحة قصيرة اضطرارية.
على الرصيف المقابل لشارع مونيفونغ تقف مجموعة من الفتيان والفتيات أمام محل ماكدونالدز في هرج مرح تأتيني قهقهاتهم ممزقة بهدير المحركات وجلبة الازدحام مثل زقزقات عصافير بعيدة داخل غابة مجاورة. تحتي مباشرة تلك المرأة التي أراها على الدوام جالسة على كرسي ملفق من قطع خشب عتيق ما تزال جالسة في مكانها، لا أدري مالذي تفعله هناك على وجه التحديد، بين الحين والآخر تنضم إليها فتاة تجلس إلى جانبها ولا تكاد تكف عن الكلام في هاتفها الجوال. بعد يوم، وأنا أعود إلى الفندق ظهرا عائما في العرق وبيدي زجاجة ماء وبعض أغراض سأجد تلك الفتاة جالسة في (لوبي) الفندق. حيتني مبتسمة، وعرضت عليّ بكل لطف أن تساعدني على حمل أغراضي إلى غرفتي في الطابق الثاني.
***
الساعة الواحدة صباحا: هدوء نسبي، لكن الحركة لم تتوقف تماما. بعض سائقي الموتوبايك تاكسي يرابطون أمام الفندق، من حين لآخر فتاة أو فتاتان تنضمان إلى مجموعة السوّاق تقفان للحظات لمحادثة بأصوات مرتفعة تتخللها ضحكات وقهقهات لا تخلو من دعابة وحتى من نكهة خفيفة من فجور. في المكان الذي تجلس فيه تلك المرأة الغريبة طوال النهار سيستقر الآن رجل متقدم نسبيا في السن، جاء يدفع عربة فوقها برميل من الصفيح يضعه على الرصيف، ثم يسحب آلة شبيهة بالمضخة يثبتها على فوهة البرميل، بعدها يخرج من مكان ما في مدخل البناية المحاذي لباب الفندق زجاجات وصفائح من البلاستيك ويشرع في ضخ مادة صفراء كدرة مائلة إلى لون الصدأ من البرميل: إنه بنزين. بعدها يجلب آنية كبيرة من البلاستيك يملؤها ماء ويضعها بالقرب من البرميل، قبل أن يسحب من صندوق آلة أخرى شبيهة بآلة الضخ يضعها بالقرب من آنية الماء: إنها آلة نفخ. أهه، أفهم الآن، إنما هي محطة بنزين ليليّة مع ورشة لإصلاح العجلات المطاطية. بعد قليل ستتحول تلك المحطة أو الورشة الليلية إلى ملتقى لأرهاط عديدة من رواد الليل: رجال غامضو الهيئة، فتيات عائدات من الحانات ونوادي الليل الكثيرة بالقرب من الكورنيش، أو من اللاتي يقضين الليل متنقلات بين الشوارع والأزقة في انتظار لقاء، أو يرابطن بالقرب من أبواب الفنادق طمعا في مصادفة تضع أمامهن رجلا يقتّر آخر أمل في العثور على فرصة أخيرة لتأثيث فراغ ليلته الطويلة بالمدينة.
الرابعة صباحا: الحركة قد هدأت كليا تقريبا. اختفى المارة وكذلك رفاق السهر من حول صاحب الورشة الليلية الذي أراه الآن قابعا وراء برميله منحنيا برأسه على صدره، بل ويخيل إلى أنني أسمع شيئا شبيها بالشخير يغمغم به صدره وحنجرته من تحتي. بنوم ستخلد للنوم لساعة من الزمن قبل أن تنهض محمومة بحركتها وهديرها اليومي. كأنها في عجلة من أمرها والأربع وساعات النهار تبدو لها غير كافية لقضاء شؤونها.
العائدون من مفازة الموت

أجلس ممتلئا بغبطة الكسل أمام مقهى غير بعيد من السوق المركزية لمدينة بنوم بنه، وقد بدا لي اكتشافا سعيدا وضربة حظ قادتني إلى طراوة لحظات بعيدة من الماضي. أحد الشيوخ الثلاثة، الذي بادرني بالتحية بلغة فرنسية نقية بدا لي في البداية بملامح وهيئة غير غريبة عن عيني. ذكرني مباشرة بأولئك الموظفين القدامى المتقاعدين الذين كانوا يجتمعون كل صباح في مقهى باريس وسط مدينة تونس، أو في بعض من مقاهي حي لافايات – غير بعيد من السوق المركزية هناك أيضا.

أولئك الشيوخ الثلاثة الذين صرت ألتحق بمجلسهم في كل صباح، والنادلة التي أصبحت تعرف ما أحتاجه: قهوة سوداء وصحن به قطع من الفطائر المقلية في الزيت، تلك الفطائر التي غدت جسر عبور إلى طفولتي البعيدة، روائح المقليات والشواءات متداخلة مع مزيج من زفر اللحوم والسمك وحموضة النفايات، صخب صباحات أسواق متوترة الحركة: عناصر لصورة لفردوس مفقود بدت لي مكثفة كلها هنا في مكان جلوسي أمام هذا المقهى غير بعيد من السوق المركزية المهيبة التي ما زالت تشع داخل هرج المدينة وتداعيها وفوضاها وأوساخها بشيء من عزها القديم: قبة صفراء كبيرة تتفرع عنها أربعة أشكال مستطيلة تبدو للناظر إليها من فوق مثل نجمة هائلة تتوسط ساحة شاسعة بين شارع مونيفونغ وشارع كمبوديا وشارع شارل دي غول. حولها دفق لا يتوقف من العربات والدراجات النارية والشاحنات وعربات الـ (توك توك) الشبيهة بحشرات معدنية زاعقة بخنّة محركاتها وأبواقها.
أجلس في فاصلات بين جولة وأخرى هنا، أمام هذا المقهى أرقب حركة الشارع من أمامي، وجوه المارة، حمولات البضائع التي ترصّف أكواما عالية فوق الدراجات الهوائية والدراجات النارية، الفتيات اللاتي يتقافزن مثل أسماك طرية، النادل الشاب الودود الذي يستطيب ممازحاتي له وقد أصبح يعترضني الآن ويسد علي طريق مروري ليقودني إلى طاولتي المفضلة مباشرة على الرصيف، بائعة اليانصيب وراء طاولتها الصغيرة على الرصيف المقابل، بائع عصير الفواكه الطازجة الذي يقف غير بعيد منها وراء صندوقه الزجاجي، الراهب البوذي الذي يمر كل صباح من هنا عارضا آنيته الألومنيوم لتقبل حفنة الرز الأبيض المطهي الذي سيكون غذاء يومه، المتسول الذي يجلس صامتا على الرصيف عارضا على المارة ساقه المبتورة وعلى يساره آنية البلاستيك التي ينتظر أن تقذف فيها بعض قطع نقدية، وعلى يمينه رمامة الساق الصناعية.

في خابية العهد الكولونيالي

شارع شارل ديغول، شارع باستور، السوق المركزية من الطراز الكولونيالي، البنايات القديمة ببلكوناتها الكثيرة المتلاصقة المرشّقة بأشرطة الغسيل، الأزقة الضيقة التي تتسع بالكاد لمرور ثلاثة أشخاص متحاذين، المقاهي الصغيرة التي لا تعد أكثر من طاولتين ملاصقتين للجدار داخل الزقاق الضيق، الحلاقون الذين يمارسون عملهم مباشرة داخل الزقاق، لا تتجاوز معداتهم كرسيا من تلك الكراسي العتيقة لدكاكين الحلاقة التي كنت أعرفها قبل عقود ومرآة مثبّتة على الجدار: عناصر من بنوم بنه تعيدني إلى مدينة تونس الستينات. بنوم بنه تحاور مدينة تونس بأسماء شوارعها، بروائحها، بأزقتها الضيقة ومطاعمها المرتجلة، بتناوب العتمة والنور، بالحرارة الخانقة والحركة التي ستبدو عشوائية لعين الأوروبي مثلا، بأسواقها الفوضوية تعرض بضاعتها على الرصيف في هيأة احتفال بهيج.
الشيوخ الثلاثة المتقاعدون المنقعون في خابية العهد الكولونيالي، يتكلمون فرنسية نقية ويجلسون يوميا أمام نفس المقهى في تقاطع شارعين كما لو أنهم هناك ليشهدوا على كل مراحل خراب المدينة، صامدين في تلك الجلسة الصباحية اليومية المتكررة – عدا انقطاعات مؤقتة مرغمة أخذتهم لبضعة سنوات في أرياف كمبوديا وداخل معسكرات العمل الإجباري وبرنامج «إعادة التثقيف»- يخيل إلى وأنا أجدهم في ذلك الموقع كل صباح كما لو أن لهم مهمة تاريخية تتمثل في تعقيم التاريخ وتأبيد المدينة الكولونيالية. أقول وأنا أنظر إليهم، لو أنهم هلكوا في معسكرات الموت التي أعدها لهم بول بوت لانهارت بنوم بنه.
مثل الشيوخ الثلاثة، عاد مئات الآلاف ممن أُبعدوا غصبا عن مدينتهم في عهد حكم بول بوت. أو لنقل أولئك الذين استطاعوا أن يغافلوا الموت ويهرّبوا آخر ما تبقى من نبض للحياة داخل أجسادهم المنهكة بالأشغال القاسية والجوع، عادوا إلى بنوم بنه التي ظلت لسنوات مستسلمة لموت قد فرضته عليها فكرة شيطانية طائشة وقاتلة. عاد الشبان، عاد الكهول أو ما تبقى منهم، عاد الشيوخ والعجائز المنهكة أجسامهم بسنوات العمل القاسي والجوع، عاد تجار الأسواق واللصوص والمومسات والعتالون والقوادون والفنانون والمتسولون والمعاقون والمجانين والمدرسون والأطباء والمهندسون. عادوا جميعهم لا شيء نصب أعينهم غير إعادة الحياة إلى المدينة، غير العودة إلى الحياة داخل المدينة. أستمع إليهم كيف يتكلمون عنها، كيف ينطقون اسمها بشيء من نغمة يتمازج داخلها الحنين والغزل وأنين الوجع ونشوة الظفر. بنوم بنه على شفاههم مثل أغنية حب ترقص لها أوتار أرواحهم وتشع أعينهم ببهجة غامضة ومرحة في الآن نفسه وهم ينطقون باسمها.
الكثيرون منهم، بل ربما أغلبهم، لم يجدوا بيوتهم القديمة. لم يجدوا العديد من أهلهم وأصدقائهم ومعارفهم. لم يجدوا مقاهيهم المعتادة والمحال التي كانوا يقتنون منها أشياءهم الضرورية. لم يجدوا مدارسهم القديمة، بعضها تحول إلى سجون والبعض الآخر إلى مآوي سكنية لجحافل الوافدين الجدد على المدينة إثر تهجيرهم. عادوا إلى مدينة بدت لهم غريبة وموحشة، وجدوا عائلات أخرى تسكن بيوتهم القديمة وقد حولوها إلى ما يشبه أكواخا، قبلوا بزيارتها مثل غرباء وشكروا ساكنيها الجدد على التفضل باستقبالهم، قبل أن ينصرفوا لا ناقمين ولا حاقدين. لم يقبلوا رغم ذلك بالرحيل عن بنوم بنه ثانية. كانوا يتمشون ساهمين في شوارعها وأزقتها، يحاورونها، يستجدون بقايا ذاكرتها المنخورة بالدمار، يراودونها على نفسها، يستعطفونها. يهيمون في شوارعها مثل الغرباء والمشردين، لكنهم كانوا يتمشون مع ذلك بهيئة الظافرين بالعودة إليها.

متحف الجماجم

لم أستطع زيارة ذلك المعتقل الشهير الذي تحول إلى متحف بمعروضات تجسد شناعة إجرام حكم بول بوت، بما في ذلك عدد هائل من جماجم المعدمين. ترددت طويلا قبل الذهاب إلى هناك. وقفت نحو خمس دقائق أمام الباب وأنا أنظر إلى مجموعات السياح الأوروبيين والغربيين يلجون ويخرجون مسلحين بالكاميرات، ثم انصرفت. قلت لنفسي: يكفيني ما رأيته من صور في بعض الكتب وما قرأت وسمعت من شهادات أولئك الذين عايشوا تلك الوقائع. سأعود إلى مدينة الأحياء لأكون شاهدا على إصرار هؤلاء على الحياة وتحديهم للموت والدمار.
عندما سألتني السيدة لونغ سراي الكمبودية العائدة إلى هنا بعد أكثر من خمس وعشرين سنة من الإقامة في فرنسا: هل زرت متحف الرعب؟ ترددت قليلا وأنا أشعر بشيء من الخجل، ثم أجبتها بأنني لم أستطع. قالت لي: أنا أيضا لم أستطع. دخلتُ مرغِمة نفسي على ذلك، لكنني لم أستطع البقاء داخل المتحف أكثر من دقيقتين. ثم صمتت برهة قبل أن تضيف: زوجي قد توفي في ذلك المعتقل، بينما كنت مبعدة للعمل في حقول الأرز بمنطقة باتمبانغ الشمالية. لم أستطع تحمل رؤية مأساتنا القاسية تتحول إلى استعراض ومادة لجلب السياح، وجماجم الآلاف من الكمبوديين تتحول إلى نوع من التحف ستتحول لدى الفضوليين إلى صور تذكارية.
طاقة الحياة
لا تكاد تصدق أن هذه المدينة قد عرفت تلك التجربة القاسية الشنيعة وأنت تنظر إلى مرح الفتيات ودعابة البائعات وذلك التوقد بطاقة حيوية مقبلة بشره لا متناه على الحياة: المرح، الخفة، الشيطنة، الشطارة، الاحتيال، الاستعداد الدائم للدعابة ولتقبل المداعبات والممازحات. السؤال نفسه كان يطرح نفسه عليّ وأنا أعايش هرج ومرح المدن اللاوسية والفيتنامية، بما في ذلك التي عرفت أشرس أنواع القصف الأميركي وحولت أكداس القنابل التي تركها الجيش الأميركي إلى مزهريّات وأغراض للزينة والديكور داخل الفنادق والمطاعم وحتى البيوت الخاصة: أين يخبئ هؤلاء أوجاعهم؟ أية قدرة عجيبة لدى هؤلاء الناس على نسيان جراح الماضي والارتماء مجددا في غمار الحياة! يحدثونك عن تلك السنوات القاسية البعيدة، عن تهجيرهم وإفراغ المدينة من ساكنيها، عن أصدقاء وأفراد من عائلاتهم عرفوا حتفهم على يد البطش الجنوني لبول بوت وجماعته، عن نساء حبالى بقرت بطونهن وقُتل الجنين أمام أعينهن، عن أساتذة وأطباء ومهندسين وطلاب رأوهم يموتون وهم يقعون أمامهم منهكين في مشاغل العمل وحقول الرز، كما لو أنهم يروون لك حكايات من عصور غابرة. لا أثر للتذمر، لا أثر للتفجع والمرارة، لا أثر للشكوى. ولا أثر للحقد خاصة. لكأنهم في عجلة من أمرهم، لا وقت لديهم للوقوف طويلا على آلام الماضي وجراحه. ما يهمهم هو الآن، وربما غدا. لعل ذلك من مفاعيل التربية البوذية التي تعلي من شأن اللحظة الآنية: أن يعيش المرء بكليته ال «هنا والآن». –ربما، تقول لي السيدة لونغ سراي. لكن لا تنس أن الناس هنا لا يميلون إلى كشف أحاسيسهم، بل يصرون على كتمانها وإخفائها حرصا على حماية حرمتهم وصيانة لكرامتهم. أنا أيضا لم يصبح لدي فهم واضح لهذه المسألة إلا بعد أن قضيت سنوات عديدة في فرنسا.

اقرأ أيضا