الاتحاد

الملحق الثقافي

عنق يبحث عن عقد عبدالله الناوري

تمر الأيام بطيئة ولاتزال سلوى في عالم يجهله الكثيرون... القضية تصبح غامضة كلما فتح رجال الشرطة محضرا جديدا، فبينما تضيق حلقة الاتهام تتسع نفس الحلقة من جهة ثانية وقد ظل ابراهيم كآخر شخص اشتبه فيه قيد الحبس حتى تم استجواب جاسم للمرة الثانية.

اننا الآن نستدعيك لننبهك لخطورة اخفائك سلوى.
اننا بلا شك نستبعد أن يكون شخص مثقف وواع مثلك يجسر على شيء أكثر من الإخفاء، ولكننا ننصحك الآن أن تعترف لنا بالمكان الذي أخفيت فيه السيدة سلوى ونريدك أن تتذكر أن لك ابنا منها ولك أن تتصور الحال الذي يكون فيه ابنك هذا وهو يفتقد أمه. لنفترض يا سيد جاسم بأنك أخفيتها وأوكلت شخصا لخدمتها في ذلك الوقت ألا تضع في حسبانك أن تمرض هذه السيدة وتحتاج حالتها لمقابلة طبيب مثلاً، ثم لا يجسر الشخص الذي أوكلته بإخفائها أن يعرضها للطبيب خوفا من افتضاح الأمر، فتموت هذه السيدة ويتلوع بذلك ابنك وبالطبع ستكون النتيجة بالنسبة لك خطيرة. اننا وكما ذكر لك السيد عبدالله لا نقيم وزنا للزمن هنا وسنظل نحتفظ بك هكذا حتى تعترف ولابد مما ليس منه بد.
- تعلمون أيها السادة بأنني أقف لأول مرة في حياتي أمام محضر تحقيق، وبالتالي فإن هذه المرة الأولى في حياتي أيضا أدخل فيها حبسا. ولو كنت أعلم مجرد علم بشيء حول هذه القضية لفعلت وأعتبر نفسي بذلك رابحا اذ إنني أوفر لابني عنصر الأمومة، أما كونكم تحبسونني من دون أن تقيموا وزنا لحبسي أو للزمن الذي أقضيه محبوسا فإنني أطمئنكم بأنني أفضل الحبس ألف مرة على أن أعترف بشيء لا صلة لي به، وأريدكم أن تعلموا بأنني لن أتنازل عن حقي وشرفي من اتهامكم هذا لي اذا تبين لكم غير ذلك واذا سمحتم لي فإنني أنصحكم بأن تركزوا جهودكم على غيري حتى لا يفلت منكم الزمام.
-أنك فيما يبدو مغرور الى درجة كبيرة.
انني أقول لكم الحقيقة.
-نحن أعلم منك بالحقيقة.
-صدقوني بأنكم على بعد سحيق منها.
-نحن لم نأت بك هنا لتعلمنا أسس عملنا.
-إنني لم أقصد ذلك طبعا ولكنني أبحث عن براءتي مما تشيرون.
-وهكذا يفعل المجرمون.
ويتبادل الضابطان الحديث بينهما كالعادة بطريقة الهمس ثم يبدأ عبدالله الاستجواب الثاني وكان يوسف ممسكا بقلمه يكتب ما يدور في الاستجواب على صفحة التحقيق.
-جاسم ابراهيم محمد.
-نعم.
-انك تدعي بأنك لم تخف السيدة سلوى.
-نعم.
-ولكنها سيدة سبق لك منها الزواج.
-نعم.
-ومعنى ذلك أن صلتك بها لم تنقطع.
-بل انقطعت.
-انت ذكرت بأنك تثق في تربيتها لابنك.
-نعم .
-اذن هنالك علاقة.
-لقد ذكرت ذلك في استجوابي الأول.
-أجب على سؤالي: اذن هنالك علاقة؟
-ذكرت لكم أن هذه العلاقة ما كانت تكفل لي حتى الكلام معها.
-ولكنها علاقة تسمح لك بدخول بيتها.
-دون أن أراها.
-ياجاسم لقد اختفت والدة ابنك وقد كانت والدته هذه زوجة لك في يوم من الأيام فإذا سلمنا بأنك كما تدعي لا صلة لك بهذا الاختفاء فما هو تفسيرك لهذا الاختفاء؟.
-لابد أن تكون هناك بعض الظروف الدقيقة.
-مثلا؟
-لو كنت أعلمها لذكرتها من أول مرة حتى أوفر على نفسي هذه المشقة ثم إنكم قبضتم علي قبل أن أستقي المعلومات عن اختفائها من الناس. منعتم عني الزيارات، ضيقتم علي الخناق، فكيف تسألونني عن ظروف اختفائها... والله أنا أجهل من أكون عن هذا الاختفاء.
-ألا تعرف شيئا عن حياتها؟
-لا أعرف أكثر مما عرفتم.
-وماذا عرفنا نحن؟
-أعرف أنها تزوجت من السيد عادل وقد كانت تعيش معه ومعها ابني ووالدتها.
-لماذا لم تأخذ طفلك منها بعد أن تزوجت عادل؟
-قلت لكم إنني أثق في تربية والدته ولكن ليتني أخذته حتى لا أقف هذه الوقفة، انكم بذلك تجعلونني أحقد على ابني.
-بصراحة ياسيد جاسم إن أنت ظللت هكذا منكرا، فهذا يعني أنك فعلا تحقد على ابنك.
-دعكم عن الحقد فإنني لا أمانع من أن أفقد ابني على أن أعترف بشيء لم أرتكبه.
-هل تعتقد أن وجود ابنك مع زوج غيرك يمكن أن يهيئ الجو المناسب لتربيته.
-ان السيد عادل رحب بوجود الطفل معه وأنا شخصيا أفضل أن يكون ابني مع والدته حتى اذا كان بلا ماؤى، ان الأمومة للطفل في سن ابني طارق أهم من الأبوة حسب اعتقادي.
-هل تعتقد أن السيد عادل يتضايق من ذلك.
-لقد كنت حريصا على ألا يتضايق وقد عرفت من والدة سلوى أن عادل يعامل ابني وكأنه ابنه ولولا ذلك لما تركته مع والدته طالما ظلت زوجة له.
-متى رأيت عادل آخر مرة؟
-أعتقد أنني لمحته في اليوم الذي غادرت فيه للقاهرة.
-لمحة فقط.
-أعتقد ذلك.
-أين لمحته، هل تتذكر؟
-لقد لمحته على ما أذكر في مكتب البريد، أسف لقد لمحته يدخل البنك البريطاني.
-هل حدث ذلك في نفس اليوم الذي غادرت أنت فيه للقاهرة؟
-نعم.
-هل أنت متأكد؟
-هنا تقفل صفحة التحقيق ويأمر عبدالله الشرطي بأن يأخذ جاسم الى الحبس بينما يبقى الضابطان لمناقشة الأقوال التي أدلى بها جاسم وقد فغرت الدهشة أفواههم لاسيما عبدالله؟

..........................................من رواية «عنق يبحث عن عقد» ص 120 .

اقرأ أيضا