الاتحاد

الملحق الثقافي

فنّ العيش.. باللمس

ثقافة اللمس المهمشة والمنسية أهم حاسة من حواسنا على الإطلاق (أرشيفية)

ثقافة اللمس المهمشة والمنسية أهم حاسة من حواسنا على الإطلاق (أرشيفية)

وسط هذه الأجواء من الكراهية التي تلبّدت بها سماء العلاقات بين الأديان، بين الأوطان، بين الإنسان وأخيه الإنسان، لا بأس بأن نمنح لأنفسنا قسطاً من راحة البال، ونتقاسم هنيهة من التفكير الناعم والممتع، أو بهذا النحو سنحاول. سنمنح لأنفسنا فسحة تأمل سلس وانسيابي في موضوع من المواضيع المهملة. نقصد التفكير في موضوع علاقة الحواس بفن العيش. ومع ذلك، لا يخالجنا الشكّ في أنّ تنمية الحواس تعدّ بدورها أسلوباً ناجعاً من أساليب مقاومة ثقافة الكراهية والعنف والتطرّف.. وسنرى.

تحديداً فإننا نودّ التركيز في هذا المقال على إحدى أعظم حواس الإنسان، والتي تكاد تبدو في المقابل، حاسة منسية، مهمشة، ومهملة، إنها الحاسة الخامسة، حاسة اللمس.

البصر للنهار.. والسمع لليل

بادئ ذي بدء نقول، نعرف أنّ ثقافة البصر أنتجت المرئيّات الجميلة : الرّسم، النّحت، المعمار، المسرح، السينما، إلخ، وأن ثقافة السّمع أنتجت السّمعيات الجميلة: الشعر، الحكاية، الموسيقى، الغناء، التراتيل، إلخ، وأنتجت ثقافة الشم صناعة العطور، وأنتجت ثقافة الذوق فنون الطبخ، وأمّا حاسّة اللمس فقد يذهب الظنّ إلى أنّها لم تنتج أيّ ثقافة تذكر، ومن ثم يتم التغاضي عنها والقفز عليها نحو افتراض وجود حاسة سادسة أو ربّما سابعة ! لكن، هل أنصفنا الحاسّة الخامسة بما يكفي أو كما ينبغي؟

عادة ما يقال، إنّ ثقافة العين هي ثقافة النهار، حيث تعمل العين جيداً على ضوء الشمس. لذلك، ترتبط العين في الخيال البشري، بقرص الشمس. وأمّا ثقافة الأذن فإنها ثقافة الليل، حيث تشتغل الأذن بنحو جيد حين تضعف الرؤية ويخيم الظلام. ولذلك ليس مستغرباً أن تكون ثقافة العين ثقافة التقويم الشمسي، وتكون ثقافة الأذن ثقافة التقويم القمري. وعموماً يُعتقد بأنّ السمع والبصر، وهُما حواس البُعد، أي حواس الإدراك عن بُعد، هُما أيضاً حواسّ المعرفة الكلية. لذلك، يعتبرهما الإسلام ( إسلام النص) حواس الذات الإلهية : الله سميع بصير.
يمكنني أن أفترض شيئاً إضافياً: ثقافة اللمس المهمشة والمنسية والمهملة، لعلها أهم حاسة من حواس الإنسان على الإطلاق، سواء كان ثقافياً أو حضارياً أو معرفياً أو فنياً. فهي أولاً الحاسة الأولى للجسد، وهي ثانياً الحاسة الأولى للحياة، وهي ثالثاً الحاسّة الأولى للإدارك، وهي رابعاً الحاسة الأولى للمتعة، وهي خامساً وأخيراً حاسّة العيش المشترك.

حاسة الجسد
البصر حاسّة العين، والسمع حاسة الأذن، والشم حاسة الأنف، والذوق حاسة اللسان، فماذا عن حاسة اللمس؟ طبعاً، إنها لا تنحصر في اليدين كما نقول عادة للأطفال، هذا خطأ، بل تشمل كامل جسد الإنسان. فنحن بواسطة الجلد الذي يكسو الجسم قد نشعر بالوخز والحرارة والضغط والألم في أي مكان من جسدنا. وهكذا نستطيع أن نقول: اللمس حاسة الجسد.

حاسة الحياة

قد يعيش الإنسان بلا سمع ولا بصر، قد يعيش أيضاً بلا ذوق ولا شم. إنما في غياب حاسة اللمس لن يعيش الإنسان، لن يستمر على قيد الحياة. فمن غير لمس الأشياء والهواء لن يشعر المرء بأي وخز أو احتراق أو جرح أو نزيف أو لدغة أو لفحة أو قرحة، ما يجعله مهدداً بفقدان الحياة في أي لحظة. لذلك، ليس مستغرباً أن تكون حاسة اللمس هي أول حاسة تنشأ عند الجنين. ومن ثم بوسعنا القول: اللمس حاسة الحياة.

حاسة الإدراك
نحن لا نرى الأشياء لكننا نرى صور الأشياء أي انعكاس الضوء عليها. إننا لا نسمع الأشياء لكننا نسمع أصواتها، أي الموجات الصوتية الصادرة عنها. وأيضاً فإننا لا نشم الأشياء وإنما نشم روائح الأشياء التي لها رائحة، ولا نتذوق الأشياء وإنما نتذوق فقط طعم الأشياء التي لها طعم. لكن، حين نلمس فإننا نلمس الأشياء ذاتها. اللمس هو الحاسة الوحيدة التي تضعنا في احتكاك مباشر مع الأشياء، وتجعلنا ندرك الشيء ذاته وليس صوته أو صورته أو رائحته أو طعمه. وحتى حين نستطيع أن نميز بين الخشب والحديد بالعين المجرّدة مثلاً فإننا لا نفعل ذلك إلاّ لأننا لمسناهما من قبل. ومن دون لمس سابق ما كان بالإمكان التمييز بين الأشياء بالعين المجردة. وكما يقال، فللجلد ذاكرة قوية. وكذلك الحال بالنسبة لقدرتنا على التمييز بين مختلف المواد. هكذا بوسعنا أن نستنتج بأنّ اللمس هو الحاسة الأولى للإدراك.

حاسة المتعة
لكل حاسة متعتها لكن الأصل في كل المتع هو اللمس. فلوحة الرّسم قبل أن تكون أشكالاً وألواناً تسرّ الناظر فإنها لمسات يد فنان، ومعزوفات الموسيقى قبل أن تكون أصواتاً وإيقاعات تمتع الأذن فإنها نقرات يد فنان، وكذلك نقول عن الطبخ والعطور بالنسبة لملامس الصانع. ثم أن منتهى الشعور بمتعة البصر أو السمع أو الشم (وأما الذوق فقد نعتبره نوعاً من اللمس بواسطة اللسان) هو قدرة المنتوج الفني على مداعبة الجسد بأكمله، حتى يحلق به في نشوة عبر التخيل والانشراح والتماهي والانجذاب. أضف إلى ذلك أن أمتع المتع لا تكون كذلك إلاّ بقدر قدرتها على مداعبة الجسد: فمتعة السباحة والغطس هي متعة ملامسة الجسد للماء، ومتعة التحليق بالأرجوحة والقفز بالمظلات هي متعة ملامسة الجسد للهواء، ومتعة حمام الشمس هي متعة مداعبة الشمس للجسد، إلخ. وهكذا يحق لنا القول إن اللمس هو حاسة المتعة، حاسة المتعة بامتياز.

حاسة العيش المشترك
تحتاج الأجساد البشرية إلى البقاء على مسافة قريبة من بعضها بعضاً، تحتاج إلى التقارب والتجاور والتلامس، تحتاج إلى تبادل حرارة الحياة المنبعثة منها بنحو طبيعي. نعم، بالحس السليم ندرك بأنّ التدليك حاجة حيوية لكل إنسان، ليس هذا فقط، فإن التصافح أيضاً حاجة حيوية. وبالدلالة اللغوية فإن القدرة على التصافح هي القدرة على الصفح أيضاً. أثناء التصافح نتبادل حرارة الحياة التي تسكن أجسادنا، نتبادل طاقة الحياة. لذلك نفهم كيف يرفض المتباغضون التصافح. إن أسوأ عقوبة بالنسبة للسجين هي السجن الانفرادي، ليس فقد بسبب الافتقاد إلى التواصل اللغوي وإنما جراء الافتقاد للتواصل الحسي بين الأجساد، ذلك التواصل الذي يبعث على الإحساس بالحياة. إن انعزال الأجساد عن بعضها بعضاً يعني بداية تدهور قيمة الحياة. وإنّ الميل إلى التباغض والتباعد يعني وجود فراغات لتسلل ثقافة الموت والكراهية، وإماتة ما هو إنساني في الإنسان.

وفي كل الأحوال، يبقى تهميش حاسة اللمس تهميشاً للحياة والجسد والمعرفة والمتعة، تهميشاً لأساليب اللطف والرقة والأناقة والنعومة، تهميشاً لقيم التمدن والثقافة والسمو والتحضّر، تهميشاً للقدرة على العيش المشترك.

اقرأ أيضا