الاتحاد

تقارير

كيف نطرد الرئيس من البيت الأبيض؟

بوش

بوش

بينما أظهرت استطلاعات الرأي العام الأميركي التي أجريت مؤخراً، تدني شعبية الرئيس بوش إلى معدلات تتراوح بين 20-30 في المئة فحسب، كشف استطلاع آخر للرأي أجرته صحيفة ''نيويورك تايمز'' الشهر الماضي، عن رغبة غالبية الشعب الأميركي في ذهاب الإدارة الحالية، وأن على أميركا ألا تواجه 17 شهراً إضافياً آخر من المصاعب مع رئاسة فاشلة وعاجزة عن استعادة مصداقيتها أمام الرأي العام القومي·
ومهما يكن، فإن الحجج السياسية المثارة ضد الرئيس بوش ليست من ذاك النوع الذي يمكن الاستهانة به· فهناك من الأسباب الوجيهة ما يبرر النظر إليه على أنه رئيس فاشل، وأن الفترة المتبقية من ولايته لن تكون مثمرة تحت أحسن الفروض، إن لم تكن ضارة ومدمرة لسمعة الولايات المتحدة تحت أسوأ الاحتمالات· لكن بالنظر إلى القواعد الدستورية التي تعمل بموجبها الرئاسة، فليس ثمة أمل في تنحية بوش عن منصبه الحالي· وربما كان الحل الأمثل لهذه المعضلة، هو أن يستقيل بوش من منصبه على طريقة سلفه الأسبق ريتشارد نيكسون· على أن الحالمين وحدهم هم من يتطلعون إلى أن يقدم بوش أو نائبه ديك تشيني استقالتهما من منصبيهما الحاليين· ففي ظل غياب أي مؤشرات على محاكمتهما، يظل في وسع هذين الرجلين أن يهزآ بأي نداءات تدعوهما للتنحِّي عن منصبيهما، ناعتين إياها بأنها ضرب من نعيق التطرف السياسي لا أكثر· وعلى نقيض ذلك تماماً، فها هو الرئيس بوش، العازم على البقاء في العراق لاستكمال مهمته التي بدأها هناك، يطالب بإعطاء استراتيجيته المتبعة المزيد من الوقت· وعلى كثرة وتعدد الاتهامات المثارة ضده بإساءة استغلال سلطاته الرئاسية، فها هو يقلل من أهمية تلك الاتهامات، نافياً أية صحة أو مصداقية، وزاعماً أن مصيره سيكون كمصير سلفه هاري ترومان، الذي أبرأ ذمته أمام التاريخ من كافة الاتهامات التي لصقت باسمه وبإدارته، على رغم أنه فقد شعبيته ومصداقيته هو الآخر أمام مواطنيه، خلال العامين الأخيرين من رئاسته·
وبعد، فربما حان الوقت الذي تعين فيه التفكير الجدي في إجراء تعديل دستوري، يمكن بموجبه إقالة الرئيس من منصبه، بوسائل أخرى عدا حالتي المحاكمة أو إثبات عدم الكفاءة والأهلية، مع العلم بأن هذه هي النصوص السارية الآن بموجب التعديل الدستوري رقم ·25 وإنه لغني عن القول إنه ينبغي لتعديل دستوري بهذه الأهمية في تحديد مصير القيادة السياسية القائمة، أن يعلي سقف الشروط والإجراءات اللازمة لتنحِية الرئيس، وأن يتضمن عملية تقتضي أن تكون أقوى تعبير عن إرادة الأغلبية الساحقة من الشعب الأميركي· ولعل الطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف، هي أن يشرع كل من مجلسي الشيوخ والنواب، بإجراءات التصويت اللازمة داخلهما لهذه العملية، بحيث تكون النسبة المطلوبة لبدء الاستفتاء الشعبي العام حول إقالة الرئيس الفورية من منصبه، هي 60 في المئة داخل كليهما· وفي حال توفر أغلبية أصوات تنادي بإقالة الرئيس ونائبه معاً، فإن على رئيس مجلس النواب أن يتولى المهام الرئاسية، بينما يحق له بموجب التعديل الدستوري الخامس والعشرين، اختيار نائب له، على أن يصادق عليه من قبل أغلبية كل من مجلسي النواب والشيوخ·
ومما لاشك فيه أن تعديلاً دستورياً كهذا، سيشجع بعض الفئات والجماعات المتذمرة من أداء إدارة معينة، على اتخاذ إجراءات وأعمال إجهاضية، ترمي للإطاحة برئيس تلك الإدارة· بيد أن على الجمهور أن يتذكر أن الانتكاسات الرئاسية التي مر بها كل من الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت خلال عامي 1937-،1938 وخلفه هاري ترومان في عام ،1946 حين انخفضت معدلات شعبيته إلى نحو 32 في المئة فحسب، ليست هي المعيار الوحيد الذي يقيم عليه الناس اعتراضاتهم على استمرار الرئيس في قيادة البلاد· وإذا ما أخذنا بالتجارب العملية السائدة في 18 ولاية من الولايات الأميركية، فيما يتصل بإجراءات وعملية إقالة حاكم الولاية من منصبه، فإن المطالبة بتنحية الرئيس هذه، يرجَّح لها أن تكون حالة جد نادرة· والدليل أنه لم تتم إلا تنحية اثنين فحسب من حكام الولايات، بموجب الإجراءات التشريعية التي دفع بها الليبراليون والتقدميون إلى طاولة التشريع الخاصة بإقالة حكام الولايات منذ بدايات القرن الماضي· وكان ضحايا تلك التشريعات: ''لين جي· فريزر''، حاكم ولاية داكوتا الشمالية، الذي أقيل من منصبه في عام ،1921 ثم مؤخراً تنحية زميله جاري ديفيز، حاكم ولاية كاليفورنيا في عام ·2003
لكن أياً كانت محدودية التطبيق العملي لهذه التشريعات والإجراءات على المستوى الرئاسي، فإن من المؤكد أنها قادرة على ممارسة الضغط على الرئيس وإرغامه على تغيير سياساته واستراتيجياته المتبعة، التي ألهبت السخط الشعبي العام عليه· ولو أن تشريعاً كهذا كان موجوداً، لما أقدم الرئيس الأسبق ليندون جونسون على تصعيد حربه على فيتنام، فيما لو أدرك وقتها أن ذلك التصعيد سيثير عليه حتماً حنق الشارع الأميركي، ويرغمه على إنهاء فترة رئاسته قبل اكتمال أعوامها الأربعة· فهل لنا أن نتعلم الدرس نفسه مما عانيناه مؤخراً من مصاعب في تنحية الرئيس الحالي؟


مؤرخ ومؤلف كتاب نيكسون وكيسنجر: شريكان في السلطة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا