الاتحاد

تقارير

القوات البريطانية.. وبوادر الانتصار في معارك هلمند

مقر القوات البريطانية هنا في ''سانجن'' هو الفيلا التي كان يمتلكها أحد أباطرة المخدرات، ونوافذها التي تملؤها أكياس الرمل ومراكز المراقبة وجدرانها التي تحمل آثار إطلاق النار، شاهد على أن ''سانجن'' كانت حتى عهد قريب (قبيل بضعة أسابيع فقط) واحدة من أخطر المدن في إقليم هلمند الذي يعتبر الأخطر من بين الأقاليم الأفغانية· فمنذ قدومها الربيع الماضي إلى هذه المنطقة الجبلية والصحراوية التي ينعدم فيها حكم القانون، فقدت القوات البريطانية ما لا يقل عن 64 رجلاً في معارك يومية تقريباً ضد قوات ''طالبان'' التي لا يضاهيها أحد من حيث العدد والشراسة في البلاد؛ إذ مايزال المتمردون يبسطون سيطرتهم على نصف الإقليم، وهو ما يشكل أكبر تهديد بالنسبة لاستقرار أفغانستان وأمنها·
ومع ذلك، ورغم وجود الآلاف من مقاتلي ''طالبان'' واحتمال تجدد معارك ضارية مستقبلا، فإن القادة العسكريين البريطانيين هنا يقولون إنهم يعتقدون أنهم تجاوزوا منعطفا مهماً، في إشارة إلى نجاحهم خلال الأشهر الأخيرة في إجبار مقاتلي ''طالبان'' على التراجع وإبعادهم عن بعض المناطق الاستراتيجية، إضافة إلى تراجع التأييد الشعبي للمتمردين·
وفي هذا السياق، يقول الرائد ''هاميش بيل''، أحد القادة العسكريين المسؤولين عن الكتيبة البريطانية المرابطة في شمال إقليم هلمند، عن حركة التمرد:''لقد بتنا ننظر إليها اليوم كتهديد يمكن التصدي له''·
وعلاوة على ذلك، يقول القادة العسكريون البريطانيون إن التقدم الذي تم إحرازه في هلمند ربما يكون الأهم من نوعه مقارنة مع أي مكان آخر من البلاد، على اعتبار أن الإقليم يضم أكبر تركز للمتمردين وينتج نحو 42 في المئة من محصول الأفيون في البلاد، وهو ما ساعد المتمردين على الانتعاش واستعادة قوتهم· ويضيفون أنهم في حال نجحوا في السيطرة على هلمند، فإن من شأن ذلك أن يعبد الطريق أمام إحراز تقدم أكبر ضد ''طالبان'' في البلاد·
غير أنه إذا كانت هلمند نموذجاً لما يمكن تحقيقه في أفغانستان، فإن القادة يحذرون في الوقت نفسه من أن قتالاً طويلاً وحامي الوطيس يظل ضرورياً لاسترجاع مزيد من الأراضي من ''طالبان''، منطقة منطقة، وبلدة بلدة، على أن النجاح غير مضمون· ذلك أنه بالرغم من مرور ست سنوات على اندلاع الحرب، فإن ثلث أقاليم أفغانستان ما زالت بين قبضة المتمردين، وهو مستوى أسوأ بكثير مما كان عليه الحال في الفترة ما بين 2002 و،2005 أي السنوات التي تلت مباشرة الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، والذي أسقط نظام ''طالبان'' وأرغم قواته على التراجع إلى ما وراء الحدود في باكستان·
في الماضي، لم يكن يؤمِّن أقاليم مثل هلمند، البعيدة عن العاصمة والهادئة نسبياً، سوى وجود عسكري أميركي خفيف، وهو ما جعلها سهلة الاختراق عندما قررت ''طالبان'' أن تعود· أما في الإقليمين الجنوبيين الآخرين، قندهار وأوروزجان، فإن وجود ''طالبان'' يظل قوياً· وفي هذا الإطار، يقول القادة العسكريون إن محاربة ''طالبان'' تشبه الضغط على الزئبق أو على نفاخة؛ ذلك أنه إذا تم القضاء على المتمردين في منطقة ما، فإنهم يظهرون في منطقة أخرى·
وبالفعل، فقد انتقل مقاتلو ''طالبان''، الذين أُرغموا على التراجع في القتال التقليدي، إلى تكتيكات جديدة من قبيل الهجمات الانتحارية، والقنابل التي توضع على جانب الطريق، وعمليات الاختطاف· وكمثال على الأخطار المحدقة هنا، تم مطلع يوليو المنصرم خطف ابن قائد الشرطة في ''سانجن''، الذي لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة، على أحد الطرق خارج المدينة وقُتل· غير أن القادة العسكريين يقولون إن التقدم في هلمند مؤشر على أن قوات حلف ''الناتو'' وجدت طريقها أخيراً، وذلك بعد حركة التمرد اللافتة التي شنها مقاتلو ''طالبان'' العام الماضي، مستغلين نقل مسؤولية حفظ الأمن في الأقاليم الجنوبية من القيادة الأميركية إلى قوات ''الناتو''· ففي وقت أصبحت فيه قوات ''الناتو'' أكثر حضوراً وأكثر عدداً في جنوب أفغانستان، استطاعت القوات الأميركية نشر مزيد من القوات في الشرق، حيث تفيد الأخبار القادمة من هناك بأنهم حققوا مكتسبات في بعض المناطق الحدودية· وكل هذه العوامل ساعدت قوات ''الناتو'' على شن هجوم على ''طالبان''، وكسب ثقة السكان·
أما بخصوص أسباب هذا التقدم، فيقول البريطانيون إنها تكمن في تغيير التكتيكات التي كانوا ينتهجونها ومضاعفة عدد قواتهم إلى نحو 6000 جندي، ينتظر أن تتعزز بمزيد من القوات مستقبلاً·
فعندما وصل المظليون البريطانيون إلى هلمند، طلب الرئيس حامد قرضاي أن يضعوا نصب أعينهم الحيلولة دون سقوط المدن الصغيرة في قبضة ''طالبان''· غير أن البريطانيين، الذين كانوا محاصَرين ومنعزلين، شكلوا هدفاً لهجمات كانت تصل إلى سبع مرات في اليوم أحياناً؛ بل إنهم كانوا يضطرون لاستعمال المدفعية من أجل إخلاء منطقة ما من المتمردين حتى يتسنى لطائرة الهيلوكبتر التي تحمل التموين أن تحط· وخلال فصل الشتاء، نشر البريطانيون وحدات متحركة من سلاح البحرية لإرغام ''طالبان'' على التراجع وفك حصارها للمدن· وفي الربيع والصيف، شنوا عمليات تمشيط واسعة بمساعدة من وحدات أميركية وأفغانية ودانماركية وإيستونية·
وفي مايو أرغم البريطانيون ''طالبان'' على الرحيل عن منطقة ''سانجن''· وبنشر ثلاث سرايا من الجيش في الوادي، تمكنوا منذ ذلك الوقت من إحباط محاولات المتمردين لإعادة الاختراق· وفي هذا الإطار، يقول الرائد ''دومينيك بيديك''، قائد السرية ''أ'' المرابطة في سانجن:''إن الأمر لم ينته بعد؛ غير أن المؤشرات تفيد بأن زيادة عدد القوات، والموقف الأكثر هجومية ناجحان حتى الآن''، مضيفاً أن القاعدة البريطانية، التي كانت شبه محاصَرة من قبل، لم تتعرض لأي هجوم منذ نحو شهر·


مراسلة نيويورك تايمز في سانجن- أفغانستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا