الاتحاد

تقارير

النموذج الكولومبي··· لاحتواء التحدي الأفغاني

النموذج الكولومبي··· لاحتواء التحدي الأفغاني

النموذج الكولومبي··· لاحتواء التحدي الأفغاني

هل يمكن للولايات المتحدة أن تستفيد من دروس العراق في حربها المتعثرة في أفغانستان؟ هذا السؤال طغى على المراجعة التي قامت بها إدارة أوباما للاستراتيجية الأميركية في أفغانستان وباكستان، والتي خلصت إلى القرار الذي أعلن عنه الرئيس مؤخراً والقاضي بإرسال آلاف من الجنود الإضافيين إلى هناك، للقضاء على ملاذات المتمردين، وتدويل حرب بات يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها حرب أميركا· والحال أن ثمة نموذجاً أكثر ملاءمة -ونجاحاً- من تجربة العراق، وهو أقرب جغرافياً إلى الولايات المتحدة نفسها· وبالتالي، فإذا كنت تريد التغلب على حركة تمرد محلية يؤجج نارَها جار مزعج، والملايين من أموال المخدرات، وضعف حكومة مركزية، فإن كولومبيا تشكل نموذجاً أفضل يمكن الاستفادة من تجربته المريرة·
لقد عشتُ وعملت في كولومبيا كمراسل لصحيفة ''واشنطن بوست'' من 2000 إلى ·2004 وخلال هذه الفترة، كانت العاصمة بوجوتا هي المدينة الوحيدة في البلاد التي لا تشملها فظاعات حربٍ تميزت بمذابح بالمناجل والرشاشات وحتى الحجارة، وجعلت منها أفظع وأبشع حرب شاهدتُها على الإطلاق· أما اليوم، فقد أرغمت الحكومة الكولومبية، المدعومة بمليارات الدولارات من المساعدات العسكرية ومساعدات التنمية الأميركية، الحركة المتمردة الماركسية على التقهقر والتراجع إلى داخل الغابات التي خرجت منها لأول مرة قبل أربعة عقود· أليس شيئاً شبيهاً هو ما يريد تحقيقه أوباما في أفغانستان؟ والحربان في كولومبيا وأفغانستان تجمعهما أوجه شبه أكثر بكثير مقارنة مع الحرب في العراق التي غطيتُها في سنتي 2003 و·2004 فـ''طالبان'' تتوفر على كهوف جبلية منيعة مثلما تتوفر المليشيات الكولومبية على مخابئ في الغابات والجبال -وهي تضاريس أكثر نفعاً وفائدة بالنسبة لحركات التمرد مقارنة مع صحراء العراق المكشوفة· كما أن خشخاش أفغانستان الذي يستخرج منه الأفيون يمول ''طالبان'' تماماً مثلما تمول نبتة ''الكوكا'' التي يستخرج منها الكوكايين المليشيات المتمردة في كولومبيا· وعلى غرار الدور الذي يلعبه متشددو باكستان بالنسبة لأفغانستان، فإن فنزويلا والإكوادور توفران ملاذاً آمناً للمتمردين الكولومبيين· غير أن أهم وجه شبه واضح بين الحالتين هو غياب حكومة مركزية قوية؛ ذلك أن الحكومة الكولومبية قلما بسطت نفوذها خارج هضبة بوجوتا، وذلك على غرار حكومة كرزاي المتمركزة في كابول والتي تتمتع بنفوذ جغرافي محدود مماثل· ونتيجة لذلك، اعتمدت كولومبيا على قوات شبه عسكرية متوحشة لدعم جيش ضعيف، الأمر الذي أدى إلى استعداء جزء كبير من السكان· أما في أفغانستان، فإن الدور أُسند إلى القوات الأميركية التي وإن لم تكن متوحشة مثل القوات غير النظامية في كولومبيا، إلا أنها كلفت الحكومةَ الأفغانية دعمَ شعبٍ معروف بعدائه للغزاة الأجانب·
والواقع أن أوجه الشبه تمتد للمفارقة حتى إلى السفيرة الأميركية في باكستان ''آن باترسون'' والسفير المنصرف في أفغانستان ''ويليام وود'' على اعتبار أن كليهما ترأس السفارة الأميركية في بوجوتا من قبل· وكان الأدميرال مايكل مولن، قائد هيئة الأركان المشتركة الأميركية، أشار خلال زيارة إلى كولومبيا الشهر الماضي إلى أن بعض دروس ذلك البلد يمكن تطبيقها ''في أفغانستان بصفة خاصة''· صحيح أن كولومبيا مازالت تنتج أطناناً من ''الكوكا''، إلا أنها أصبحت أكثر استقراراً مما كانت عليه حين كنتُ هناك لتغطية الحرب بفضل جهود الرئيس ألفارو يوريبي، الذي وصل إلى السلطة في ،2002 وتمكن من قلب الاتجاه هناك· ويقدم نجاح كولومبيا في ذلك أربعة دروس مهمة لأوباما بخصوص أفغانستان·
أولا، إن زيادة عديد القوات الأميركية في أفغانستان قد تكون أقل نفعاً من زيادة عدد المدرِّبين العسكريين الذين يرسلون للمساعدة على بناء جيش أفغاني قوي ومستقل· ثانياً، على الإدارة أن تركز على إنشاء مؤسسات فعالة -مثل المدارس والمستشفيات- أكثر من تركيزها على تجارة الهيرويين· ثالثاً، إن الجهود الرامية إلى إغلاق المناطق التي يلجأ إليها المتمردون على الحدود لا تنجح وتصرف الموارد العسكرية عن المهمة المركزية المتمثلة في حماية المدنيين· أما الدرس الرابع، فيتمثل في حقيقة أن كل هذه الأمور تتطلب وقتــــاً؛ ذلــــك أن الجهـــود الكولومبية مثـــلا استغرقـــت عقداً من الزمن تقريبـــاً وما زالت متواصلة·
وعلى غرار ''طالبان''، تتألف ''القوات المسلحة الكولومبية الثورية''، وهي المليشيا المعروفة اختصاراً بـ''فارك''، في معظمها من مجندين شباب على درجات متفاوتة من الالتزام الإيديولوجي· وقد جمعت المليشيا المجندين ضمن ''جبهات''، وكان ينتمي معظم الماركسيين الملتزمين إلى الجبهات الموجودة في الشمال والغرب· غير أن الماركسيين الموجودين في الغابات الجنوبية المنتِجة للكوكايين كان دافعهم الجشع أكثر من أي شيء آخر، وكان من السهل تخمين أي جبهة ينتمي إليها أحد أعضاء المليشيات من خلال عدد الخواتم الذهبية التي في أصابع يده· غير أنه بدءاً من العقد الحالي، بدأت الحكومة الكولومبية في استمالة الأعضاء الأقل تشبعاً بالإيديولوجيا الماركسية داخل ''فارك'' عبر وعود بالمال والتدريب الوظيفي في إطار برنامج لـ''إعادة الإدماج'' وسعه الرئيس يوريبي· والواقع أن استجابة الفارين من صفوف ''فارك'' بأعداد كبيرة خلال السنوات الأخيرة دليل على مدى سطحية القناعات الماركسية لدى الشباب والشابات الذين دُفعوا إلى الالتحاق بحركة التمرد· واليوم، تقلص جيش المتمردين الذي كان يبلغ قوامه 18 ألف مسلح حين كنت في كولومبيا إلى نصف هذا العدد·
إن أوجه الشبه بين كولومبيا وأفغانستان ليست مثالية قطعاً؛ كما أن الكثير من المؤشرات يشير إلى أن النجاح في أفغانستان سيكون أصعب وسيتطلب وقتاً أطول· ثم إن أفغانستان مجتمع ما قبل حداثي في حين أن سكان كولومبيا متعلمون، حتى في المناطق الريفية· كما أن البلاد تفتخر بواحدة من أكثر الطبقات الوسطى خلقاً وإبداعاً في أميركا الجنوبية؛ فهي بلاد جارسيا ماركيز، وبوتيرو، وشاكيرا، وليست مقبرة للامبراطوريات· ومن جهة أخرى، يجسد ''يوريبي'' أهمية الزعماء المحليين الأكفاء؛ فعلى رغم تقارير حول ارتباطه الوثيق بالقوات شبه العسكرية ما قد يلطخ سجله لحقوق الإنسان، إلا أنه نجح إلى حد كبير في تفكيكها وتسليم زعيمها للولايات المتحدة في حين فشل كرزاي وحكومته في أفغانستان، في إبهار الأميركيين على النحو نفسه·
لقد قـــال أوبامـــا حين كشف عن تفاصيل مخططه لأفغانستان إنه يعي أن المهمة هناك لن تكون سهلة وإنه لن ''يستمر على النهج القديم بشكل أعمى''؛ غير أنه في حال فشلت محاولته، فربما يجدر به أن ينظر جنوباً، بدلا من النظر شرقاً بحثاً عن نهج جديـــد·

سكوت ويلسون - واشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا