الاتحاد

الاقتصادي

ديون الدول الأوروبية تثير القلق في الولايات المتحدة الأميركية واليابان

لا يقتصر تهديد الديون الأوروبية التي اجتاحت اليونان وأيرلندا السنة الماضية على استقرار اقتصاد أوروبا فحسب، بل أن الولايات المتحدة الأميركية واليابان المثقلتين بديونهما، تواجهان لحظة الحقيقة.
ويبدو أن الأزمة المالية في أوروبا ما هي إلا بداية لسيناريو ربما تطول فصوله. وبالرغم من الفروقات الكبيرة التي تفصل بين الدول الغنية، فإنها مواجهة بأوجه تشابه كبيرة. وكل دولة من هذه الدول مثقلة بمعدلات ديون ضخمة يصعب دعمها من قبل الحكومات.
وبتركيبتها السكانية المتقدمة في السن والمعاشات التي تفتقر إلى التمويل والتزامات الضمانات الاجتماعية، تختلف هذه الدول اختلافاً كبيراً عن اقتصادات الدول الناشئة التي تتميز بقوتها وشبابها اليافع. وربما تتزايد الآلام في الصين والهند لكنها ليست من نوع الديون.
ويتضح هذا التباين جلياً في دافوس حيث جمع المنتدى الاقتصادي العالمي الشهر الماضي بين مجموعة متميزة من ممثلي الاقتصادات الناشئة وأعضاء من دول الغرب الذين تثقلهم هموم الديون وبرامج التقشف. ويقول كينيث روجوف أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد والخبير الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي: «بين الديون والمعاشات، على الجميع إدراك أن الأمور لن تستمر على هذا المنوال إلى الأبد».
وحتى وقت قريب لم تكن كلمة «ديون» من الكلمات الجارحة خاصة في دول الغرب التي تقترض لتمويل نمو اقتصاداتها. لكن نجحت دول قليلة منها في تقليص ديونها عندما كانت الظروف أفضل مما هي عليه الآن، كما أنفقت بسخاء على المعاشات والرعاية الاجتماعية.
وفي حالة أميركا، تحول الاحتياطي الذي تكون في حقبة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إلى عجز هائل خلال فترة حكم الرئيس السابق جورج بوش. أما الآن، وبعد برامج الإنقاذ التي تم تقديمها لليونان وأيرلندا، فمن الممكن حدوث ما هو مستبعد. ونتيجة لذلك، لم يقدم المستثمرون على مشاريع استثمارية في أي بلد من البلدان قبل فحصه جيداً مما أفضى لنتائج مثيرة للدهشة.
وبينما تعتبر دول مثل البرتغال وحتى بلجيكا من الأهداف المباشرة للمستثمرين، إلا أنهم لا زالوا يقبلون تحدي الدخول في أميركا واليابان بالرغم من استمرار ارتفاع معدلات الديون فيهما. وبالرغم من تحذير بعض وكالات التصنيف بخفض تصنيف أميركا، فإن حدوث ذلك غير وارد طالما يحتفظ الدولار والاقتصاد الأميركي بحضورهما في مسرح الاقتصاد العالمي.
لكن يدق الكثيرون ناقوس الخطر في ظل استعدادات الكونجرس لزيادة سقف الديون بينما السياسيون مختلفون حول كيفية التصدي لأزمتها. لكن وفي الوقت ذاته تقع عدد من الولايات خاصة ألينوي على حافة الإفلاس الأمر الذي يستدعي وجود برامج الإنقاذ. ونسبة لانتشار الظاهرة بسرعة كبيرة، طالب بعض المسؤولين الكونجرس أن يضع في اعتباره السماح لبعض الولايات بإعلان إفلاسها. ويبدو أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتخفيف الديون التي تتضمن الالتزامات المعاشية الضخمة. وتكمن خطورة ذلك في أن مجرد الحديث عن مثل هذه التدابير ربما يقود إلى إضعاف ثقة المستثمرين في أسواق السندات البلدية في أميركا.
وكما هو الحال في أوروبا، تقوم أكثر الدول معاناة بخفض إنفاقها وأحياناً زيادة معدلاتها الضريبية لتصغير فجوات الميزانية مما يقود إلى زيادة عدد تسريح العمال عن وظائفهم وبطء نمو الاقتصادات. وبالرغم من بوادر الانتعاش في الاقتصاد الأميركي، فإن الركود يعيق تعافي بعض الولايات ليحبط الجهود الكبيرة التي تُبذل لتقليل الدين الوطني والعجز.
وتختلف الصورة في اليابان التي حذر رئيس وزرائها من أن البلاد تواجه أزمة مالية شبيهة بتلك التي حدثت في اليونان ما لم تحد من ديونها التي من المتوقع أن تبلغ 210% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية القادمة.
وتسعى اليابان لإحياء اقتصادها لأكثر من عقد من الزمان يعيقها في ذلك الانكماش وبنيتها السكانية العجوز. وربما تذهب معظم الديون للمدخرين اليابانيين مما يقلل فرصة تعرضها لنشاطات السوق. لكن يكمن التخوف في أنه ربما يقدم المتقاعدون على صرف سنداتهم مما يدفع بالحكومة للجوء إلى الخارج بحثاً عن التمويل.
وفي حالة بدء أسعار الفائدة في الارتفاع عالمياً، فربما يعيق ذلك مقدرة اليابان في القيام بصيانة ديونها مما يدخلها في أزمة الديون. وبسير الدولة في هذا الاتجاه ليس مهماً أن تكون الديون مملوكة محلياً أو لأجانب حيث سيقدم الجميع على البيع حتى من الوطنيين.
ومن أهم الأولويات الاحتفاظ بدائرة الديون في أضيق نطاق ممكن على هامش الدول الأوروبية حتى لا تحطم بقية الدول الأوروبية الرئيسية. ويعكف وزراء المالية الأوروبيون على دراسة الطرق الكفيلة بحماية اليورو وإنشاء صندوق إنقاذ لدول الاتحاد. لكن حماية اليورو ليست مضمونة إذا فشل السياسيون في حل المشاكل المتعلقة به.
واتخذت بعض الدول خطوات للحيلولة دون وقوعها في المشاكل، وتطرح إسبانيا المتخوفة من أن تكون الضحية القادمة التي تحتاج إلى إنقاذ بعد أيرلندا، سنداتها للمشترين من الصين وقطر واليابان وروسيا.
وللمدى الذي يحاول فيه المشترون العالميون تفادي ديونها، تحاول هذه الحكومات إرغام مؤسساتها المحلية على تحمل جزء من ديونها. وصادقت أيرلندا مثلاً على تشريع يشجع الصناديق المعاشية الأيرلندية على شراء المزيد من السندات الحكومية والتخلي عن الأرباح الهامشية.
ويقول بيير كارلو بادوان كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «ندرك من منطلق التجربة أنه كلما ارتفعت مستويات الديون وظلت على ارتفاعها، يكون دفع الثمن في المقابل بطيئا في النمو. وتواجه كل البلدان ضرورة وقف الديون أولاً ثم خفضها في المقام الثاني».


نقلاً عن: نيويورك تايمز
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا

أحمد بن سعيد: سعادة المسافرين على رأس أولوياتنا