الاتحاد

سنن التاريخ


إن من يتأمل التاريخ قديمه وحديثه ليجد سنناً لا تتبدل ولا تتغير مع مرّ الأيام وكرّ الليالي حتى انه اعتبر في العصر الحديث علماً له قواعد ثابتة، كما ان للعلوم الطبيعية قوانين لا تتغير ولا تتبدل·
وان التاريخ يقول لنا إن هناك أمماً لم يكن لها وجود من قبل قامت وازدهرت ثم اضمحلت ولم يبق منها الا آثارها·
ان هذه الأمم لا بد ان هناك أسباباً لقوتها الأولى، وانها كانت تملك من المعطيات والقدرات ما جعلها مشهورة مذكورة فالأمة الإسلامية على سبيل المثال بداياتها معروفة: بلاد جدباء لا حياة فيها ولا ماء، وقبائل متفرقة لا تجمعها كلمة سواء وقوانين جاهلية لا تراعي عدلاً في معدلات وزيغ كبير في العقيدة عن الحنيفية السمحة وصل الى اتخاذ الأصنام آلهة·· إلخ!
وكلنا يعلم مدى ما وصلت اليه الأمة الإسلامية من قوة وعزة ومنعة، امتداداً في المكان شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وتوغلاً في الزمان على مر العصور والأجيال ثم بعد ذلك ضعف وتجرأ، وتناحر وتقاتل، أطمع السفهاء فينا، فاستقووا علينا، وتجرأوا على ان يطأوا أرضنا، طمعاً في كنوزها واستنزافاً لخيراتها وقد كانوا من قبل لا يستطيعون بل لا يفكرون مجرد تفكير ان يفعلوا ما يفعلونه اليوم مما هو مشاهد ومعلوم لكل أحد·
ولكن من عظمة الإسلام انه كان ولا يزال يهتم في المقام الأول - الى جانب اهتمامه بالجوانب المادية من الحضارة - ببناء الانسان الذي يحمل داخله كل مقومات البقاء والصمود والنهوض بعد كل كبوة قوياً قادراً على البدء من جديد!
وعلى الرغم من الصورة القاتمة التي تسيطر على النفوس في وقتنا الحالي، وعلى الرغم من الضباب الإعلامي المكثف الذي يملأ الساحة ليل نهار، الذي ينشره أعداء الأمة مثل قولهم: انكم أمة قد افتقدت مقومات حضارتها، ووجودها المستقبلي، وانتم محتاجون الى من يأخذ بأيديكم الى العصرية التي نتمتع بها فيجب ان ترضخوا لما يملى عليكم، وانكم ان لم تتبعوا خطواتنا فستكونون من الخاسرين· نقول: إنه على الرغم من كل ذلك فإن هؤلاء ومن يتبع آثارهم الى الهاوية سائرون، بل لننظر الى ما هم عليه وما آل أمرهم اليه فإننا واجدون مادة جافة صلبة صماء: بنايات شاهقة، ومخترعات صلدة باردة، وقوة غاشمة لا تخشع لقول حق، أو تسرع لرفع ظلم واننا واجدون انسانهم لم يعد لديه من معاني الانسانية شيء يذكر فقد نزع أحاسيسه بيده أو انتزعها منه ذووه، فقلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة·
فما بال بعضنا يريدون منا ان نترك قيمنا الانسانية الاصيلة وتراثنا الشامخ الشامل ونتدافع معصوبي الأعين يسوقنا أعداؤنا أو يجروننا في طريق الخسارة، الذي هم فيه سائرون؟
اننا ان امتنعنا عن متابعتهم فسيقولون لقد عصيتمونا، وجزاؤكم ان نتملككم عُنوة لنعلمكم مما علمنا فهم مستولون علينا وعلى ما في أراضينا من خيرات·
وان اتبعناهم فسنكون، نحن وهم، كثيري العدد - كما يظنون - فيجب في هذه الحالة ان يتخلصوا منا ولو بعد حين، لينفردوا بما في أرضنا من خيرات فنحن في الحالين كالحمل الذي قال له الذئب يوماً انه لا بد مأكول!
فأين المفر؟
ان الحياة الدنيا قد تطول وقد تقصر وهي دار ممر، وليست دار مقر لذلك فهي ليست بذات بال فلننظر الى ما حملناه من أمانة العقيدة الإسلامية، فالأمر ليس أكلاً وشرباً ونوماً وفناء، بل رجعة وحساب فماذا نحن فاعلون؟
ان الذين بنوا تاريخنا المجيد كانوا في بدايتهم بضعة رجال يعانون شظف العيش، ولكنهم كانوا يحملون ارادة وعزيمة وثقة بالله كبيرة استطاعوا بها ان يهزموا كسرى وقيصر، فمن أين لهم هذه الهمم العالية؟ وهل نستطيعها؟
نعم انها ممكنة بأن نتمسك بما تمسكوا به قبلاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وان يعلم كل منا انه بإصلاحه نفسه وبانتاجه في مجاله ومراقبة الله في كل خطواته سيبعد عن نفسه والأجيال التالية له شراً مستطيراً بل يكون قد أسهم في ازدهار حضارتنا حتى ولو لم ير ثمارها قبل مماته فإنه يكفيه ان يغرس لينعم أبناؤه وأحفاده·
محمد كمال حمزة

اقرأ أيضا