الاتحاد

تقارير

الأصداء الإقليمية للتقارب بين واشنطن ودمشق

رشّح رئيس الولايات المتحدة، الدبلوماسي روبرت فورد ليصبح أول سفير للولايات المتحدة إلى سوريا منذ عام 2005. وتشكّل هذه الخطوة مؤشراً واضحاً على ذوبان الجليد في العلاقة الأميركية- السوريّة، ويُنظَر إليها كذلك على أنها مكافأة لسوريا على تعاونها الأخير في لبنان والعراق.
ويأتي هذا التقارب الدبلوماسي المتزايد بين واشنطن ودمشق كجزء من جهود البيت الأبيض المستمرة لفك روابط دمشق مع طهران. ويناقش أنصار علاقات أوثق بين الولايات المتحدة وسوريا بأن باستطاعة دمشق أن تلعب دوراً مهما في كبح جماح المتطرفين في المنطقة، مثل "حزب الله" و"حماس".
اتّبعت سوريا توجهين مختلفين فيما يتعلق بسياستها الإقليمية، بما فيها عملية السلام، فهي من ناحية تشجّع الولايات المتحدة على دعم الجهود التركية في التوسط بينها وإسرائيل، كما يشهد طلب الرئيس السوري بشار الأسد الأسبوع الماضي من ويليام بيرنز نائب وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية.
وهي من ناحية أخرى تحافظ على روابط قوية مع إيران و"حزب الله" و"حماس". إذا كانت الولايات المتحدة ستحقق السلام الشامل يتوجب عليها أن تفعل أكثر من مجرد مساندة الدور التركي.
كان يمكن لتوجه "السياسة اللطيفة" التي استخدمها أوباما في المنطقة أثناء سنته الأولى في الرئاسة أن تفيد سوريا إلى درجة كبيرة وهي تتقرّب من الولايات المتحدة. إلا أن ذلك لا يبدو أنه شجع دمشق على حل مواجهتها مع إسرائيل، غير أن ذلك لم يترجم على شكل "تحوّل" تريده واشنطن.
إضافة إلى ذلك فإن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة وتدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا يقترحان أن الثانية فقدت مصداقيتها كوسيط حيادي في المفاوضات الإسرائيلية السورية.
يمكن كذلك لعلاقات صداقة أقوى بين تركيا والمتشددين في المنطقة، بمن فيهم سوريا وإيران و"حماس" أن تشكّل مؤشراً على أن تركيا لا تملك ما هو ضروري لدفع عجلة عملية السلام. ورغم أن سوريا تمكنت من سحب نفسها من عزلتها الدولية وترميم علاقتها مع تركيا، فإن التباعد بين تل أبيب وأنقرة آخذ في التزايد.
ويعتبر التحول التركي بعيداً عن إسرائيل والغرب وباتجاه سوريا وإيران مثيراً للمشاكل بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وعمليات بناء السلام في المنطقة. فخلال السنوات القليلة الماضية شهدت تركيا تحولاً أساسياً مع تولي حزب "العدالة والتنمية" الحكم. يبدو الوجه الجديد لتركيا أقل التزاماً مع أوروبا والغرب مما كان عليه في الماضي.
وترى سوريا فرصة لامعة لتعميق علاقتها مع تركيا حتى يتسنّى لها التأثير على التحالفات الإقليمية وتعزيز أهميتها في السياسة الإقليمية، وفي الوقت نفسه الحصول على موقف تفاوضي قوي مع واشنطن.
إلا أن علاقة تركيا المتنامية مع طهران تستطيع إفشال جهود واشنطن المحتملة في تحريك عملية السلام قدماً ووضع علاقة أنقرة مع الغرب في آخر القائمة.
بعيداً عن الطبيعة الخلافية للوساطة التركية، تبقى هناك معوقات إضافية أمام العلاقات الإسرائيلية- السورية.
وبالنسبة لسوريا، يتطلب أي تفاوض على السلام مع الدولة اليهودية من إسرائيل أن تتنازل عن هضبة الجولان. وهذا موضوع ليست سوريا مستعدة أن تتوصل إلى تسوية بخصوصه. رغم ذلك أوضح رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو إن إسرائيل لن تنسحب من مرتفعات الجولان المحتلة، ويبدو الجمهور الإسرائيلي متحد حول هذه القضية.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يتطلب السلام من الدولة اليهودية أن تتوصل إلى اتفاقيات مع كافة جيرانها، بما فيهم الفلسطينيين، وهي عملية معطلة منذ فترة طويلة. يجب أن تجري المحادثات السورية- الإسرائيلية بشكل متوازٍ مع المسار الفلسطيني- الإسرائيلي كجزء من اتفاقية سلام إقليمية شاملة.
وإذا تمكنت سوريا وإسرائيل من التوصل إلى خطة سلام قبل تسوية إقليمية فسوف يصبح الفلسطينيون الحلقة الأضعف. وفي هذا المضمون لن يعتبر السوريون طرفاً مؤثراً في العملية التفاوضية. إضافة إلى ذلك لن يعود للفلسطينيين أية أوراق أمام الإسرائيليين إذا قرروا اللعب وحدهم.
تعطي عملية سلام إقليمية الفلسطينيين موقفاً تفاوضياً أقوى مع الإسرائيليين، مثل ذلك الذي حصلوا عليه أثناء عملية مدريد عام 1991.
وبالنسبة لإسرائيل، يمكن لاتفاقية شاملة مع جميع جيرانها، ربما على النسق الذي تقترحه مبادرة السلام العربية، أن تجني فوائد أعظم. يمكن تقبّل الدولة العبرية في المنطقة من خلال تطبيع علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي بشكل رئيسي.
ومن جانب واشنطن، يتطلب السلام الشامل من دمشق التوصل إلى حلول وسط حول علاقتها مع المتشددين في المنطقة، والالتزام بالمشاركة في العملية السلمية.
وتسير إدارة أوباما على الطريق الصحيح في إخراج سوريا من المدار الإيراني. إلا أنه يبدو أن هناك حلقة مفقودة في جهود واشنطن، يتوجب عليها عدم إهمال النزاع الإسرائيلي -الفلسطيني، الذي يشكل حجر الأساس في عدم الاستقرار الإقليمي.


روحي الأفغاني
خبير في تحليل وحل النزاع
ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند"

اقرأ أيضا