الاتحاد

تقارير

القطب الشمالي... ثلوج تذوب وصراع يتشكل

التشكيك في حقيقة التغيرات المناخية، قد تحول إلى واقع مقبول لدى العديد من الأوساط في الولايات المتحدة إلى درجة أن ثلث الأميركيين مثلا يعتقدون أن الاحتباس الحراري غير موجود، مسجلاً ارتفاعاً في عدد المشككين بنسبة الثلث مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق.
والمشكلة أن هذا العناد في معارضة التوقعات العلمية وتحدي معطياتها الثابتة بشأن الاحتباس الحراري لا يقتصر خطره على الأضرار التي قد تلحق بالبيئة، بل تمتد لتهدد الأمن القومي الأميركي بسبب الآثار الواضحة والملموسة للاحتباس الحراري على الكتل الجليدية الكبرى في القطب الشمالي المتجمد وما سينتج عن ذلك من صراع بين الدول المجاورة للقطب للتوسع وتكريس نفوذها، لا سيما وأن قاع المحيط يزخر بموارد نفطية هائلة قد تحول المنطقة إلى حلبة أخرى للنزاع العسكري.
فذوبان الكتل الجليدية على نحو متزايد يعني إتاحة الاستفادة من الوقود الأحفوري المتناقص في منطقة لم تُستغل بعد ويُعتقد أنها تتوفر على كميات وفيرة منه، كما يعني الذوبان أيضاً نشوب التوتر حول ملكية تلك الأراضي ومن له الحق في استغلالها، ويبدو أن وضع القطب الشمالي في القرن الحادي والعشرين سيكون شبيها إلى حد كبير بما كان عليه الصراع حول الشرق الأوسط في الجزء الثاني من القرن العشرين.
ولأن الولايات المتحدة تباطأت في إدراك خطورة التغيرات المناخية على القطب الشمالي، وما نتج عنها من تغير في طبيعته وإمكانية استغلاله، فقد جعلها متأخرة في حماية مصالحها في المنطقة.
وفي هذا السياق يقول "روبرت هوربرت" من جامعة كلاجاري ومستشار الحكومة الكندية "لقد خسرنا منذ العام 1995 أربعين في المئة من الكتلة الجليدية في القطب الشمالي"، وواصل "هوربرت" الذي شارك إلى جانب خبراء آخرين في مؤتمر حول الأخطار الأمنية الناتجة عن التغير المناخي استضافه مركز السياسة الوطنية، "لم يعد السؤال ما إذا كان التغير حاصلًا بقدر ما هو متى ستختفي الكتل الجليدية تماماً؟".
وفي الوقت الذي يتجاهل الرأي العام الأميركي ما يدور حوله من رهانات على القطب الشمالي بدأت موسكو ترسخ حضورها، وهو ما عبر عنه "نياكولاي باتروشيف"، من مجلس الأمن الروسي بقوله "على القطب الشمالي أن يتحول إلى قاعدة الموارد الاستراتيجية بالنسبة لروسيا، ولا يمكن استبعاد أن يُحسم السباق من أجل الموارد الخام بالأساليب العسكرية"، وحسب مقالة نشرها في شهر مارس الماضي الباحث في "مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي، سكوت بورجيرسون، بمجلة فورين أفيرز "مازالت الولايات المتحدة غائبة عن الساحة" هذا في الوقت الذي تتحرك فيه باقي الدول المجاورة للقطب الشمالي لتوطيد سيادتها على أجزاء منه والتنقيب على الموارد الهائلة القابعة في أعماقه والتي تقدر بالمليارات من الدولارات، فقد دفع الواقع الجديد الناشئ في القطب الشمالي بسبب ذوبان الكتل الجليدية دولا مثل روسيا وكندا والدنمارك والنرويج إلى ما يشبه السباق نحو الذهب يركز هذه المرة على الاحتياطيات الهائلة من الغاز الطبيعي والبترول والمخزون الكبير من المعادن الأخرى التي لم يكن الوصول إليها متاحاً في السابق بسبب قشرة الجليد الصلبة.
كما أن العديد من الدول سارعت إلى إعداد نفسها للاستفادة مثل كوريا الجنوبية التي بنت سفن شحن ضخمة قادرة على نقل تلك الموارد إلى الأسواق العالمية بعدما أدركت استحالة نقلها عبر الأنابيب.
ورغم الاجتماع المتوقع عقده خلال الشهر الجاري بين الدول المجاورة للقطب الشمالي لبحث مسألة السيادة على أجزاء منه، ورغم تأكيد الاجتماعات السابقة على ضرورة التصرف بمسؤولية وعدم إثارة النعرات تنخرط جميع الدول القريبة من القطب الشمالي في تعزيز قدراتها العسكرية للدفاع عن سيادتها في المنطقة، وهو ما يؤكده مستشار الحكومة الكندية روبرت هوربرت بقوله "إننا نشهد فعلا سباقاً للتسلح في المنطقة إلى حد يبدو فيه العام 2010 شبيهاً بالعام 1935 في أوروبا"، فقد أقامت روسيا قواعد عسكرية في ساحل القطب الشمالي ونشرت عشرة آلاف جندي بالقرب من حدودها الشمالية لتؤكد مزاعم السيادة في القطب الشمالي.
وفي هذا الإطار أيضا اشترت النرويج في السنوات الأخيرة سفينتين حربيتين مجهزتين بأحدث الأنظمة العسكرية للدفاع عن أجزاء تعتبرها جزءاً من أراضيها، وبالنظر إلى الغموض الذي يلف مسألة ترسيم الحدود بين كندا والولايات المتحدة تحت البحر مازال البلدان يتجادلان حول من يملك السيادة على أجزاء واسعة من القطب الشمالي، وحتى الصين التي لا تملك حدوداً مع القطب الشمالي جهزت سفن كاسحة للجليد لتعزيز ما تصفها بالبعثات العلمية والاستكشافية بالمنطقة.
وفيما ينحسر الجليد عن القطب الشمالي فقد تنشأ مشاكل أخرى متعلقة بالممر الشمالي الغربي الذي سيصبح صالحاً للملاحة، وبموجب القانون الدولي سيكون من حق الجميع المرور عبر المضيق، وهو ما سيسمح لروسيا بإرسال طائراتها للمرور فوق المعبر مستفزة الولايات المتحدة في خطوة لم تجرؤ عليها في أوج الحرب الباردة بين البلدين. وبالنسبة للولايات المتحدة يقول الأدميرال "جين بروكس" من خفر السواحل إن "معظم الأميركيين لا يعرفون أنهم دولة لها حدود مع القطب الشمالي، هذا الجهل ستدفع أميركا ثمنه غالياً إذا لم يغير الرأي العام موقفه من التغير المناخي، وما يتسبب فيه من ذوبان للجليد في القطب الشمالي".


والتر رودجرز
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا