الاتحاد

تقارير

أوباما و هيلاري وتقاليد السياسة الخارجية

قبل خمسة عشر عاماً مضت، كان الرئيس السابق بيل كلينتون قد وعد في مراسم تنصيبه، بأن تكون حكومته أكثر قرباً وتعبيراً عن التقاليد السياسية للولايات المتحدة الأميركية، أما اليوم فها هو المرشح الرئاسي ''الديمقراطي'' باراك أوباما، يعِد بأن تكون السياسات الخارجية الأميركية أكثر قرباً من السياسات الخارجية لبقية الدول الأخرى· وليس طبعاً من سخرية الصدف، أن تؤُول منافسة أوباما وزوجة كلينتون السيناتورة هيلاري كلينتون، التي لقبت يوماً ما بـ''أداة التغيير'' إلى حارس لنظام السياسات الخارجية القديم لبلادها! وبالمقارنة فقد وعد أوباما بإحداث تغييرات جوهرية في السياسات الخارجية الأميركية في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي تقديري أنه يعني حقاً ما يعِد· والدليل أنه أجاب على الفور وبالإيجاب عن السؤال التالي أثناء الحوار الانتخابي ''الديمقراطي'' الذي أجري في 23 يوليو المنصرم: هل أنت على استعداد لإجراء لقاء منفرد ودون أي قيد أو شرط مسبق خلال العام الأول من إدارتك، مع قادة أجانب من أمثال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ونظيره الفنزويلي هوجو شافيز؟ أما هيلاري كلينتون، فما أن أدركت تمرد زميلها أوباما على نواميس وتقاليد السياسات الخارجية لبلادها، حتى جاءت ردة فعلها غاضبة ومستنكرة، بوصفها لإجابة أوباما تلك بعدم المسؤولية والافتقار إلى النضج السياسي·
والشاهـــد أن هيــلاري كلينتـــون، إنمـــا أكـدت باستجابتهــا تلـــك ضـــد ما صرح به أوباما، تمسكها ووفاءها للمعايير الإجرائية المتبعة في الممارسة الدبلوماسية الأميركية، أي أن تسبق عقد أي اجتماع قمة مع أي من قادة ورؤساء دول العالم، الذين يسود التوتر علاقات بلدانهم مع واشنطن، سلسلة من إجراءات بناء الثقة، الهادفة إلى انتهاء ذلك اللقاء إلى نتائج إيجابية·
وعليه فقد اقتضت التقاليد الدبلوماسية الراسخة، وأعراف صنع القرار في واشنطن، بأن تكون هناك نتائج إيجابية منظورة مسبقاً لأي لقاء قمة محتمل مع القادة الأجانب· وعليه فإنه يمكن فهم طبيعة الأسئلة التي دارت في ذهن هيلاري كلينتون، قبل أن تفصح عن استجابتها تلك: ماذا لو قابل الرئيس الأميركي الرابع والأربعون، نظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد؟ وما مدى تأثير صورة مصافحة بين هذين الخصمين على الجهود التي تبذلها واشنطن في كبح جماح البرنامج النووي الإيراني؟ وما هي الرسالة التي تبعث بها مصافحة كهذه، للمعارضين الإيرانيين الساعين لتغيير نظام بلادهم الثيوقراطي المتشدد؟ فأميركا هي أكبر قوة في كوكبنا في الوقت الحالي، ولاشك أن أصغر الصغائر التي تدور فيها، تكون لها هزاتها الارتدادية في أنحاء المعمورة كلها·
ذلك هو المنطق الذي تقوم عليه ممارسات الدبلوماسية التقليدية المرعية· بيد أن هناك مشكلة ما، لابد من الوقوف عندها وتأملها هنا· وتتلخص في سوابق أثبتت عدم جدوى اتباع التقاليد الراسخة والمرعية، أحياناً· من ذلك مثلاً تأييد غالبية الخبراء وممارسي سياسات الدبلوماسية التقليدية الأميركية هذه، لقرار غزو العراق، ما ألحق بهم جميعاً ضرراً بالغاً· ومن هؤلاء كانت هيلاري كلينتون نفسها التي صوتت لصالح قرار شن الحرب في عام ،2002 وظلت على موقفها ذلك إلى أن أرغمت على التراجع عنه مؤخراً أمام تصاعد الضغوط الانتخابية الرئاسية الممارسة عليها عقب تدشينها لحملتها·
وعلى نقيضها تماماً، فقد انحدر أوباما من أصول مغايرة، لكون أبيه كينياً وصهره إندونيسياً، مع العلم بأنه عاش أربع سنوات من صباه في إندونيسيا· وفوق ذلك فقد كان أوباما عضواً في مجلس الشيوخ الولائي في شيكاغو، في وقت سادت فيه واشنطن تلك الرؤية الثنائية الحزبية المحافظة لما يجب أن تكون عليه السياسات الأميركية الشرق أوسطية· ولعل في كل ذلك ما يفسر ابتعاده عن تقاليد وسياسات كل من كلينتون وبوش إزاء العراق، وفي كثير من شؤون السياسة الخارجية الأخرى·


كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا