الاتحاد

دنيا

اختراع عباءة إخفاء يثير تساؤلات استخداماتها المستقبلية

المجال الذي تخفيه العباءة المخترعة صغير ً لكن يمكن أن تصبح بحجم العباءات العادية مستقبلاً

المجال الذي تخفيه العباءة المخترعة صغير ً لكن يمكن أن تصبح بحجم العباءات العادية مستقبلاً

لم تعد عباءة الإخفاء التي شاهدناها في أفلام “ستار تريك” ثم في أول جزء من أجزاء سلسلة أفلام هاري بوتر سنة 2001 “هاري بوتر وحجر الفيلسوف” مجرد عباءة من نسج الخيال العلمي وعالم هوجوروتس السحري، بل إنها أوشكت أن تصبح حقيقةً واقعة ملموسةً. إذ تمكن علماء وباحثون من ابتكار عباءة إخفاء باستخدام بلورات كربونات كالسيوم منشورية الشكل. وضع إذن هؤلاء العلماء الحجر الأساس لهذا الاختراع، ويبقى عليهم أو على غيرهم أن يكملوه ويطوروه أكثر. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو مجالات استخدام مثل هذه العباءة والأشخاص الذين سيُسمح لهم باستخدامها، وهل ستُستعمل لأغراض تخدم الإنسان، أم للتجسس عليه وسلبه نعمة الأمان؟

يقول العلماء المخترعون لهذه العبادة إن “عباءة الإخفاء” القادرة على إخفاء أشياء كثيرة أصبحت أمراً محققاً وموجوداً اليوم. وبدأت بوادر أجهزة الإخفاء في الظهور لأول مرة منذ خمس أو ست سنوات مضت، فقد عكف باحثون وعلماء على محاولة لي شكل الضوء وتعويجه للوصول إلى الهدف المنشود. فالضوء يكون في الغالب ملتوياً ومنثنياً في الطبيعة. فالسراب مثلاً يتكون عندما تتصاعد ذرات الرمال الصحراوية الحارة وتلوي أشعة الضوء من الأعلى، مشكلةً بذلك خدعاً بصريةً حقيقيةً وطبيعيةً تجعل السراب يبدو كأنه مياه متموجة، في حين أنه في الحقيقة انعكاس للسماء. وتقوم وظيفة أجهزة الإخفاء التي اخترعها العلماء على توجيه أشعة الضوء كاملةً بسلاسة وانتظام حول الأشياء حتى تتابع مسيرها في مسارها الأصلي كما لو أن شيئاً لا يوجد.
أول الغيث
كانت الأجهزة الأولى التي اخترعها الباحثون عديمة الفائدة نظراً لقدرة العين البشرية على رؤيتها، وكانت تثبت جدواها فقط في أشعة الموجات الكهرومغناطيسية الدقيقة، وليس في الضوء المنظور. كما أنهم كانوا يستخدمون الأبعاد الثنائية، وهو ما جعلهم آنذاك غير قادرين على إخفاء الأجسام ثلاثية الأبعاد. وفي سنة 2010، اخترع علماء أول عباءة إخفاء قادرة على إخفاء الأشياء ثلاثية الأبعاد وجعلها غير مرئية في الضوء وغير منظورة للعين البشرية. غير أن المنطقة التي تغطيها هذه العباءة صغيرة جداً ولا تتعدى 30 ميكرومتر (الميكرومتر الواحد يُعادل جزءاً من مليون من المتر)، أي ثُلُث حجم شعرة رأس الإنسان. وقد طور العلماء حالياً عباءةً قادرة على حجب الأشياء ثلاثية الأبعاد عن العين في الضوء الأبيض العادي وأشعة الليزر الخضراء والحمراء. وعلى الرغم من أن المجال الذي تخفيه هذه العباءة لا يتعدى سنتيمترين، فإنها تُعتبر إنجازاً كبيراً لأن الأهم هو معرفة مبدأ الفكرة، أما صغر الحجم وكبره فيظل مسألة وقت لا أكثر. وهو ما يُصدقه الباحث شوانج زهانج، عالم فيزيائي في جامعة بيرمينجهام في إنجلترا وأحد مخترعي عباءة الإخفاء، بقوله “ليس هناك حد معين أو حجم أقصى للعباءة”.
طور التطوير
كانت جميع عباءات الإخفاء التي طورها بعض العلماء هناك وهنالك فيما مضى مصنوعةً من مركبات بنيوية صناعية يُطلق عليها “ما بعد المادة/“ميتاماتيريال”، وهي ذاتها التي تُستعمل لابتكار آلات تصوير قادرة على الرؤية عبر الجدران والملابس والحواجز. وتُعد تقنيات تصنيع هذه المواد بالغة التعقيد والتركيب، كما أنها تأخذ وقتاً طويلاً، إذ قد يكلف صناعة عباءة صغيرة جداً لا تخفي سوى أشياء دقيقة على موجات ضوئية طولية قليلة الكثير من الوقت.
وبالمقابل، فإن صنع عباءة الإخفاء الجديدة التي اخترعها زهانج وزملاؤه والمصنوعة من بلورات كربونات كالسيوم منشورية الشكل لا يتطلب وقتاً كثيراً. وتبلغ سعة كل بلورة من هذه البلورات 0,85 سنتيمتر، أي أكبر بكثير من أجزاء العباءات السابقة.
وقام هؤلاء العلماء بلصق اثنتين من هذه البلورات المنشورية مع بعضهما، فتَكون لديهم شكل شبيه برأس الرمح عند رؤيته من الجانب. وتكون الأشياء الموجودة داخل تجويف رأس الرمح غير مرئية. ويقول زهانج “إن هذه العباءات يمكن تكبيرها لإخفاء أشياء أكبر حجماً. فكل ما في الأمر هو استخدام بلورات كربونات كالسيوم طبيعية أكبر. وحسب علمنا، فإن أكبر البلورات المكتشفة في الطبيعة إلى الآن يصل حجمها سبعة أمتار في سبعة أمتار في مترين.
واستخدام بلورة واحدة من هذا النوع يعني صنع عباءة إخفاء قادرة على حجب أشياء تبلغ سعاتها بضع أمتار وارتفاعاً لا يقل عن 40 سنتيمتراً”.
عيب وحيد
يتمثل العيب الوحيد لهذه العباءة أنها تعتمد على خاصية استقطاب الضوء. ويُقصد هنا جميع أنواع الموجات الضوئية، سواءً كانت تموجاتها فوقيةً وتحتيةً، يمينيةً ويساريةً، أو في أي زاوية بينية. ولذلك، فإن هذه العباءة لا تعمل إلا وفق استقطاب معين. ويقول زهانج “رغم أن هذه العباءة تعمل بفعالية وكفاءة في استقطاب ضوئي معين وليس في جميع الاستقطابات الضوئية، فإنها قابلة للتطبيق في واقعنا العملي المعيش. فمثلاً، إذا كان ضوء الشمس خافتاً في السماء، فإن أشعة الشمس المتسربلة في الماء تكون مستقطبةً بشكل كبير، وتصبح عباءة الإخفاء الموجودة على سطح الماء في هذه الحالة مخفيةً تماماً. وهذا من شأنه أن يُشجع على تجريب استخدام هذا النوع من العباءات في الأغراض العسكرية على سبيل المثال، وذلك لإخفاء بعض المعدات العسكرية من قبيل الغواصات في قاع البحر”.
طريق طويل
بينما تكون حدبة أسفل العباءة غير منظورة، تكون العباءة نفسها أحياناً مرئيةً بسبب الانعكاس الطفيف على الواجهة ما بين العباءة وما يحيط بها. وفي هذا الصدد، يقول زهانج “يمكن تقليل هذا الانعكاس إلى حد كبير عبر وضع غطاء مضاد لانعكاس الضوء على العباءة أو باستخدام أدوات أخرى ذات وظيفة مماثلة”. ويضيف زهانج “لم نصل بعد إلى مرحلة صُنع عباءة إخفاء من النوع الذي استخدمها هاري بوتر في “حجر الفيلسوف”، والتي تعمل بفعالية في الهواء ويمكنها إخفاء الأجسام الكبيرة جداً. فالوصول إلى هذه المرحلة قد يكون عبر تطوير استخدامات تقينات “ما بعد المادة/ميتاماتيريال”، غير أنه سيكون أمامنا طريق طويل قبل تحقيق هذا المبتغى”.


عن “كريستيان ساينس مونيتور”
ترجمة: هشام أحناش

اقرأ أيضا