الاتحاد

دنيا

هي أمهم وأنا عمتهم

يقولون لي اتركيهم وشأنهم، لا تحرقي أعصابك من أجلهم، لقد ضحيت بما فيه الكفاية، أمهم أولى بهم· الناس تحكي وتحكي ولا أحد يدري عن الحقيقة إلا ما يظهر منها، أما البواطن فلا يعلمها إلا الله·

صحيح هي أمهم وأنا عمتهم وهي أولى منيّ بهم، ولكنها تريد تدميرهم، تغدق عليهم المال بلا أدنى تفكير بالعواقب، وهم مجرد مراهقين، لم يتعودوا على البذخ والإسراف، وعاشوا حياة الفقر والحرمان سنين طويلة· هذا المال الذي ينزل على رؤوسهم بلا حساب سيؤدي إلى انحرافهم، سيضيعهم، والدليل على ذلك أنهم لم يعودوا يهتمون بالمذاكرة وصاروا يتغيبون عن المدرسة ولا يكترثون للنصائح·

البنت تلبس أشياء غريبة غير لائقة، وتتحدث مع الغرباء بواسطة هذا الهاتف الذي تحمله معها أينما ذهبت· حتى عندما تدخل دورة المياه فإن هذا الهاتف لا يفارقها، هل هذه هي نفس البنت الطيعة البريئة؟ ماذا فعلت بها أمها؟ وإلى أين تريد أن توصلها؟ وهذان الولدان، لماذا تغيرت أشكالهما؟ لماذا استبدلا ملابسهما العربية المحترمة بهذه الملابس الغريبة؟
لقد تخلت عنهم تلك الأم عندما كانوا بأشد الحاجة إليها· فهل استيقظت من نومها أخيرا لتدرك بأن لها ذرية لم تدر عنها شيئا طوال تلك السنين! ولماذا جاءت في هذا الوقت بالذّات؟ والأولاد في هذا العمر الحساس؟ هل تنوي تدميرهم؟ أم ماذا تريد منهم بالضبط؟

حكاية أخي

القصة قصة أخي الوحيد· ليس لدي غيره، إنسان يعيش في عالم آخر لا يمت للواقع بصلة· شاب حالم ينظم القصائد ويغنّي ويرسم، له أحلام لا يمكن لعاقل أن يفكر بها· لا يملك من هذه الدنيا إلا الوسامة واللسان العذب الجميل· ولا أعرف كيف وقع في حب بنت من بنات التجّار الكبار· أين عرفها؟ لا أدري· كيف التف عليها أو التفت عليه؟ لا أدري· كل ما أعرفه أنه أحبها وأحبته وصارا عاشقين هائمين بعيدا عن أسوار المجتمع وتقاليده·
أراد أن يتزوجها، ذهب إلى والدها ليخطبها منه، فماذا كان رد فعل الوالد وهو يرى هذا الشاب (الحافي المنتف) كما يقولون، آت بكل جراءة طالبا يد ابنة الحسب والنسب· بالطبع طرده شر طردة وهدده إن اقترب من البنت بقتله··· لأن الأخ الساذج قد أخبر والد البنت بأنه على علاقة بها· فهل يعقل أن يرضى الأب بعد هذه الصراحة الوقحة أن يزوجه ابنته؟
لم أكن لا أنا ولا والدتي نعرف شيئا عن هذه الحكاية· والدتي كانت تشكو من تغيره وعدم رغبته في الطعام وانعزاله· كنت متزوجة حديثا وقد أقلقتني الوالدة وهي تحكي عن أحوال أخي الغريبة·
قررت أن أعرف حقيقة ما يعانيه فاستدرجته في الكلام حتى عرفت كل شيء· صدمت، ماذا جرى لك يا أخي؟ هل أنت عاقل أم مجنون؟ تحب ابنة الأغنياء وأنت فقير ويتيم، لا عائلة معروفة ولا مال ولا شهادة· كيف تجرأت وذهبت لطلب يدها من أبيها؟ ثم كيف تتجرأ لتخبره بأنك على علاقة بها؟ ماذا تتوقع أن يكون رد فعله؟ هل سيسكت عن مثل هذا الأمر؟ ربما سيفكر بإيذائك وإيذائها· الأفضل أن تبقى في البيت ولا تخرج للعمل هذه الأيام، لا أحد يدري ماذا ينتظرك؟· تركني أهذي وخرج ليتمشى على شاطئ البحر· ألم أقل لكم أنه إنسان غير واقعي إطلاقا!
كانت لي قريبة تعرف تلك العائلة معرفة جيدة وهي تزورهم باستمرار وتعرف أخبارهم أولا بأول· استدرجتها لتتحدث عن البنت دون أن أخبرها عن شيء، فأخبرتني ما كنت أتوقعه، قالت: تصوري أن هؤلاء الناس الذين يدعون السمعة الحسنة، اكتشفوا بأن إحدى بناتهم على علاقة بشاب صعلوك فقير وأنها لم تنكر تلك العلاقة، وقد تجرأت وواجهت أهلها بأنها ستهرب أو ستنتحر إن لم يوافقوا على تزويجها له، بنات آخر زمن، صياعة على الآخر، لا خوف ولا خشية، إنه آخر الزمان·

علقة ساخنة

تملكني الخوف، يبدو أن الأمر غاية في الخطورة· أسرعت لأخي وأخبرته بتلك التفاصيل وأنه أساء للبنت وشوه سمعتها· ليتني لم أفعل، فقد استثاره ذلك الأمر فصعدت برأسه الشهامة وقرر مقابلة والد الفتاة والتحدث معه مرة أخرى· ''يا ويلي'' هذا الإنسان رأسه يابس كالحجر، إذا قرر شيئا سيفعله مهما كانت العواقب· وبالفعل ذهب إلى والد الفتاة مرة أخرى، فغضب الرجل غضبا شديدا وأمسك بالعصا وضرب أخي ضربا مبرحا حتى أدماه، فحمله رجاله إلى المستشفى وهو في حالة يرثى لها·
أما البنت فقد عرفت بما حدث له فحاولت أن تنتحر ولكنها فشلت، فقيدها والدها بالسلاسل وأغلق عليها باب غرفتها، فما كان منها إلا أن أعدت خطة للهرب حيث ادعت المرض فاضطروا لأخذها الى المستشفى، ومن هناك هربت دون أن تترك أثرا يدل على مكانها، فما كان منهم إلا أن شددوا الرقابة على أخي، ثم استجوبوه عدة مرات فلم ينطق بكلمة لأنه لم يكن يعلم إلى أين فرت حبيبته· ثم أرسلت له رسالة تعلمه فيها بمكانها فأفلت من مراقبتهم وذهب إليها ثم تزوجا وعاشا بعيدا عن الأعين لفترة طويلة من الزمن·
اضطر أخي للعمل بأجر بسيط لينفق على زوجته، وقد كان من قبل ذلك الوقت لا يلتزم بعمل محدد وهو يتنقل بين أعمال حرة مختلفة لكنها تتطلب جهداً كبيراً، أما بعد أن أصبح مسؤولا عن زوجته فقد هجره الدلع وذهبت عنه الراحة ليحل محلها الشقاء مع عمل طويل يستهلك النهار كله، ثم عندما يعود الى بيته المتواضع يجد الزوجة الحبيبة وهي كئيبة ومتجهمة لأنها لم تتعود العيش بهذا الأسلوب، فلا يملك الطاقة الكافية لمراضاتها لأنه مرهق وينتظره يوم شاق جديد، مما أثار غضبها عليه بشكل مستمر·
بسرعة تهشمت العواطف وانتحرت على صخرة الواقع، وعرفت البنت بأن هذا الحب الذي ملأ قلبها ورأسها وجعلها تتحدى الأهل والتقاليد ما هو إلا مرض قد شفيت منه بسرعة فائقة، فقررت ترك زوجها والعودة لأهلها راجية أن يسامحوها·
لم يكن استقبالها حافلا بالعقوبات أو الطرد كما توقعت، ولكنهم قابلوها ببرود تام ولم يرفضوا عودتها ولم يعاقبوها وتركوا الأمور لتعود كما كانت وكأن شيئا لم يحدث· أما بالنسبة لأخي فقد صدم صدمة كبيرة وبكى بكاء مرا لفراق حبيبته، وعاد إلينا وهو في حال سيئة وكأنها أصبح مخبولا·

عودة الحب

بعد أشهر قليلة اتصلت به زوجته لتخبره بأنها كانت حاملا وأنها لا تستطيع إخفاء الأمر عنه أكثر من ذلك ودعته ليطلقها دون مشاكل· فتحاور معها واستطاع أن يعيد جذوة الحب التي انطفأت في قلبها نحوه، فأخبرته بأنها مستعدة للعودة إليه شرط أن يكون لديه المال الكافي لتعيش بالمستوى الذي تعودته، وأصرت على موقفها إصرارا شديدا، فماذا فعل؟
طلب موعدا لمقابلة أحد المسؤولين الكبار ثم بعد أن حضر بين يديه أخبره بقصته فتعاطف معه المسؤول وأعطاه مبلغا كبيرا من المال ليستطيع أن يقف على قدميه ويعيد إليه زوجته· ما أن سمع والد الفتاة بما فعله أخي حتى استشاط غيظا، فلم يكن يتوقع أبدا أن تصل أخبار ابنته إلى المسؤولين الكبار فتهتز صورته لديهم· لذلك ذهب إلى ذلك المسؤول وتحدث معه حول ذلك الشاب الذي شوه سمعة عائلته وأغوى البنت وجعلها تهرب معه، وقال له بأنه لو تلقى هذا النوع من الناس المساعدة فإن بيوت كثرة ستنهار وعائلات كبرى ستضيع· ظل يحكي ويحكي حتى أقنعه فأمر المسؤول بحبس أخي ومصادرة المال الذي معه· بقي لفترة في السجن حتى أشفق عليه المسؤول وأطلق سراحه وأعاد إليه المال مرة أخرى· بمجرد خروجه من السجن اتصل بزوجته فهربت من جديد من بيت أهلها وعاشا سويا لعدة سنين أنجبا خلالها ولدين وبنت، وكلما قل المال الذي معه كلما زادت المشاكل بينهما حتى تركت له البيت والأولاد وعادت الى منزل أهلها، ورفعت قضية تطالبه فيها بالطلاق للضرر، فحصلت عليه بسهولة·
أحضر أخي أولاده إلى أمّي لتربيهم بدلا من أمهم التي لم تعد تسأل عنهم وقد كانوا صغارا بحاجة لوجود الأم أكثر من غيرها، فتحملت تلك العجوز المسكينة مشقة العناية بهم ورعايتهم· كانت تدعو الله أن يطيل في عمرها ويعطيها القوة حتى تستطيع العناية بهؤلاء المساكين الذين لا ذنب لهم·

رحيل العاشق

تحول أخي إلى مخلوق تعيس هائم على وجهه وكأنه مجنون، يقف أمام قصور المسؤولين يطالبهم بإعادة زوجته إليه حتى سئموا منه، وقد تم حجزه عدة مرات في مراكز الشرطة دون جدوى· لم يطل به الحال، فقد تعرض لحادث دهس انتقل بعدها لرحمة ربه عسى أن يغفر له إعراضه عن الدنيا وعن واجبات ربه بسبب ذلك العشق الشيطاني المجنون·
لم يبق للصغار إلا تلك العجوز المسكينة التي كانت تصارع المرض وتدعو الله أن يمنحها القوة ويطيل في عمرها حتى يكبروا، ولكن حانت ساعتها فلحقت بولدها ولم يبق لهؤلاء المساكين سواي، فماذا أفعل معهم وأنا زوجة وأم لثلاثة أطفال؟
ذهبت لملاقاة أمهم، أخبرتها بحال أطفالها، بكيت أمامها وتوسلتها الا تتركهم وأن تأخذهم عندها لتربيهم وتنفق عليهم ولكنها رفضت ذلك وقالت: لا أريد شيئا من رائحة الماضي اللعين·
لم يكن أمامي سوى ترك أسرتي لمعظم ساعات النهار لأبقى مع أولاد أخي وأقضي حاجاتهم ومتطلباتهم· وزعت نفسي بين أسرتي وبينهم· تحملت أضعاف طاقتي وأنا في صراع مع زوجي حتى أستطيع التوفيق بين المسؤوليتين دون تقصير· كان أمرا شاقا يفوق القدرة على التحمل ولكن الله سلّم وسارت الأمور بشكل طيب حتى استقر الوضع واعتاد زوجي على عدم وجودي ليلا في منزلي، وعلى بقائي لساعات طويلة مع أولاد أخي حتى كبروا وصاروا ينجحون في دراستهم ووصلوا إلى المرحلة الثانوية، وقد تصورت بأنني أستطيع أن أوصل هذه الأمانة وهذا المركب إلى بر الأمان عندما تنتهي مرحلة الدراسة على خير فيعملون ويعتمدون على أنفسهم، ولكن للأسف لم يتحقق ما أردت بعد أن ظهرت أمهم في حياتنا من جديد· يبدو أنها شعرت بالملل بعد أن كبرت في السن ولم يأتها النصيب الذي انتظرته طويلا ولم تجد ما تشغل نفسها به فصارت تبحث عما يسليها ويملأ فراغها فلم تجد سوى هؤلاء المساكين·
دخلت حياتهم وهي محملة بالمال والهدايا، أغرتهم وهم في هذا السن الحرج، فتحت عيونهم على أشياء أكبر من خيالهم فأخذوا بها، وصاروا متعلقين بتلك الزيارة الأسبوعية يحلمون بها ويتحدثون عنها طوال الوقت فلا يدرسوا ولا يكترثوا لمستقبلهم مهما قلت ومهما حكيت· حتى أنهم صاروا يكرهون نصائحي وحديثي·

نهاية المطاف

أخيرا رفعت قضية في المحكمة لضمهم إليها فنجحت فيما أرادت وذهب الأولاد إلى قصرها ليعيشوا حياة أخرى هي كالأحلام بالنسبة لهم، وكلما اتصلت بهم لأحثهم على الدراسة وعلى مراعاة مستقبلهم لا يلتفتون لي وكأنهم لم يعرفوني يوما· يتجاهلون مكالماتي، وإذا أسعفني الحظ وأجابني أحد منهم، أجده ساكتا لا يدري ما يقول وهو يتأفف ويتحدث معي بضيق شديد· يا ربي ماذا أفعل مع هذا الوضع الغريب؟ هي أمهم ولكنها ستدمر مستقبلهم، فبماذا سيفيدهم المال إن لم تسانده الشهادة؟ ومن يضمن أنها لن تتخلى عنهم من جديد؟
أخشى عليهم من الانحراف والضياع، فهذه الأم لا تشعر بالمسؤولية مثلما أشعر بها· هي تخلت عنهم وقد كانوا في أشد الحاجة إليها، فهل يعقل أن تتلزم بهم بعد أن كبروا؟ وإن تخلت عنهم بعد أن يضيع مستقبلهم فمن سيقف بجانبهم من جديد؟ حتى زوجي الطيب الذي صبر على وضعي طوال تلك السنين هو الآن غاضب منّي أشد الغضب خصوصا عندما يراني أسيرة للخوف والقلق، يقول لي بأنها أمهم وهي أولى بهم ولن يضيعوا معها أبدا حتى لو تركوا دراستهم فهي تملك المال الذي يضمن لهم مستقبلهم·
لا أدري لماذا لا أقتنع بمثل هذا الحديث، فأصر على أن أستعيد أولاد أخي وأخلصهم من أمهم·
بكل جرأة وقفت أمامي ابنة أخي لتقول لي: لقد حرمتينا من أشياء كثيرة كنّا بأشد الحاجة لها، حرمتينا من الاستمتاع والتنزه واللهو، لم يكن على لسانك إلا قول واحد ترددينه طوال الوقت: ذاكروا، صلوا، ناموا، انهضوا مبكرين، لا شيء غير ذلك، أما أمّنا فقد اشترت لنا كل ما نحتاج إليه وهي تقول لنا افعلوا ما تشاءون، عيشوا حياتكم·
أما الولد الأكبر فبعد أن أصبحت لديه سيارة آخر موديل، لا يتنازل ويرد على مكالماتي ولا يفكر بالتحدث معي· وحتى عندما يجدني انتظره في بيت أمه فإنه يهرب بعيدا عنّي·
الولد الأوسط، ذلك العاقل الكامل، هو الوحيد الذي أجد فيه صورة لبعض الولاء· يحدثني بأدب ولكنه يعتذر ويختصر الحديث ويعدني وعودا كاذبة بالزيارة والسؤال·
أصبت بالضغط والسكري وضعف بصري من شدة بكائي على أولاد أخي· يعز عليّ أن تضيع جهودي معهم بهذا الشكل، يعز عليّ أن تتحول مشاعرهم عنّي بهذه الطريقة، يعزّ عليّ فراقهم وإعراضهم عنّي، يعزّ عليّ أن تتحول قلوبهم إلى أحجار صلبة قاسية، وأن يقولوا لي بكل صراحة: لا نريدك··· نريد أمّنا، اتركينا وشأننا·

اقرأ أيضا