الاتحاد

دنيا

الأحنف والحنيف

يضرب المثل بالأحنف بن قيس في الحلم فيقال «أحْلَمُ من الأحنف» وكنيتُهُ أبوبحر، واسمه صخر، من بني تميم. وكان في رجله حَنَفٌ وهو الميل إلى إنسيِّها، وكانت أمه ترقصه وهو صغير وتقول:
واللــه لولا ضعفــه مـــن هُزْلِــــهِ وحَنَــــفٌ أو دِقَـــّةٌ فـــي رِجْلِــــهِ
ما كان في صبيانكم من مِثْلِهِ
وكان حليماً موصوفاً بذلك، حكيماً معترفاً له به، وكان يقول: كثرة المزاح تذهب بالهيبة، عرف إلى جانب الحلم بالسؤدد وكرم الأخلاق وحسن الفعل. وقال: ثلاث ما أقولهنَّ إلا ليعتبر معتبر: لا أخلف جليسي بغير ما أحضر به، ولا أُدخل نفسي فيما لا مدخل لي فيه، ولا آتي السلطان أو يرسلَ إليَّ.
وسئل: هل رأيتَ أحلمَ منك؟ قال: نعم، وتعلمتُ منه الحلم. قيل: ومن هو؟ قال: قيس بن عاصم المنقري، حضرتُه يوماً وهو مُحْتَبٍ يحدّثنا، إذ جاءوا بابن له قتيل، وابن عم له كتيف، فقالوا: إن هذا قتل ابنك هذا، فلم يقطع حديثه، ولا نقض حَبْوَته، حتى إذا فرغ من الحديث التفت إليهم فقال: ابن ابني فلان؟ فجاءه، فقال: يا بنيَّ قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه، وإلى أم القتيل فأعطها مائة ناقة فإنها غريبة لعلها تسلو عنه.
و»الحنف» لغة المَيَل، والحنيف: المائل إلى الدين المستقيم. قال الله تعالى: (وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) «سورة آل عمران: الآية - 67»، والأصل هذا، تم يُتَّسع في تفسيره فيقال الحنيف النّاسك، ويقال هو المختون، ويقال هو المستقيم الطريقة.
ويقال هو يتحنَّف، أي يتحرَّى أقومَ الطريق.
ورجُل أحْنَفُ وامرأة حَنْفاء.
وفي الحديث: أنه قال لرجل ارْفَعْ إزارَك، قال: إني أحْنَفُ.
وقيل: الحَنِيفُ المائِلُ من خير إلى شرّ أو من شرّ إلى خير؛ قال ثعلب: ومنه أُخذ الحَنَفُ.
وحَنَفَ عن الشيء وتَحَنَّفَ: مال.
والحنيف: الـمسلم الذي يَتَحَنَّفُ عن الأدْيان أي يمِيل إلى الحق، وقيل: هو الذي يستقبِل قِبلة البيت الحرام على ملَّة إبراهيم، على نبينا عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو الـمُخْلِصُ، وقيل: هو من أسلم في أمر اللّه فلم يلتوِ في شيء، وقيل: كل من أسلم لأمر اللّه تعالى ولم يلتوِ، فهو حنيفٌ.
ومعنى الحنيفية في اللغة المَيْلُ، والمعنى أن إبراهيم حَنَفَ إلى دين اللّه ودين الإسلام.
وقيل في قوله تعالى: «بل ملة إبراهيم حنيفاً»، إن الحَنَفَ الاستقامة وإنما قيل للمائل الرِّجْل أحنف تفاؤلاً بالاستقامة. وقيل معنى الحنيفية في الإسلام الـمَيْلُ إليه والإقامةُ على عَقْدِه.
والحَنيف: الصحيح الـمَيْل إلى الإسلام والثابتُ عليه. وقال الجوهري: الحنيف المسلم وقد سمّي المستقيم بذلك كما سمِّي الغُراب أَعْوَرَ.
يقول أبو ذؤيب:
أَقامَـــتْ بـــه، كَمُقـــامِ الحَنيــــ ـف،شَهْريْ جُمادَى وشهرَيْ صَفَرْ
إنما أراد أنها أقامت بهذا الـمُتَرَبَّع إقامة الـمُتَحَنِّفِ على هَيْكَلِه مَسْرُوراً بعَمله وتديُّنِه لما يرجوه على ذلك من الثواب، وجُمْعُه حُنَفاء، وقد حَنَفَ وتَحَنَّفَ.
والدينُ الحنيف: الإسلام، والحَنيفِيَّة: مِلة الإسلام.
وتَحَنَّفَ الرجلُ أي عَمِلَ عَمَلَ الحَنيفيّة، ويقال اخْتتن، ويقال اعتزل الأصنام وتَعبَّد؛ قال جِرانُ العَوْد:
ولـمَّا رأَيـن الصُّبْـحَ،بـادَرْنَ ضـَوْءَه رَسِيمَ قَطَا البطْحاء،أَوْ هُنَّ أقطفُ
وأدْرَكْنَ أعْجازاً من الليــلِ، بَعْدَمـا أقــامَ الصـلاةَ العابِــدُ الـمُتَحَنِّـفُ



إسماعيل ديب

اقرأ أيضا