الاتحاد

تقارير

انسحاب التوافق.. هل يقود حكومة المالكي نحو السقوط؟

بعد مرور أكثر من سنة على تشكيلها كان نصيب حكومة نوري المالكي الفشل في التصدي للمشكلات الصعبة في العراق· فهذه الحكومة التي جاءت بعد حكومتين: الأولى مؤقتة، والثانية انتقالية أطلق عليها تسمية حكومة (الوحدة الوطنية)· وجاءت هذه التسمية بعد مشاركة كل أطياف الشعب العراقي لاسيما الشيعة والسنة والأكراد فيها· وبينما تم الاتفاق على برنامج سياسي مؤلف من 33 نقطة وحظي بمصادقة البرلمان (الذي يهيمن عليه ''الائتلاف العراقي الموحد''138 مقعداً قبل انسحاب حزب الفضيلة 15 مقعداً) والتحالف الكردستاني (57 مقعداً) من أصل 275 مقعداً هو عدد أعضاء البرلمان العراقي حيث تجيء جبهة ''التوافق''، التي تمثل العرب السنة بالمرتبة الثالثة (44 مقعداً)·
ومع أن الحكومة نفذت حتى الآن نحو أربع خطط أمنية، إلا أنه من وجهة نظر العرب السُنة، فإن الحكومة لم تتمكن من تحقيق برنامجها السياسي المتمثل في حل المليشيات وإطلاق سراح المعتقلين وإحداث توازن سياسي في مفاصل الدولة واجتثاث ''البعث'' والمصالحة الوطنية والعفو العام وسواها من المطالب التي عرضتها ''التوافق'' مؤخراً، والتي فجرت الأزمة الأخيرة التي انتهت بانسحاب ''التوافق'' من الحكومة، فلدى الكتلة خمسة وزراء بالإضافة إلى نائب رئيس الوزراء سلام الزوبعي، الذي طالما اشتكى من تهميشه من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي· غير أنه واستناداً إلى ما يجري تداوله في الأروقة السياسية، فإن هناك العديد من المشكلات التي تعانيها الحكومة، ولعل أبرزها البعدان العربي والإقليمي حيث لا تحظى حكومة المالكي بدعم حلفاء واشنطن العرب، وذلك بسبب البعد الإيراني في هذه الحكومة· وبتضافر البعدين الخارجي وهو عدم الرضا الإقليمي عن المالكي والبعد الداخلي المتمثل في مشاكسات التوافق وتردد التحالف الكردستاني، الذي ينظر إلى الحكومة طبقاً لتعهداتها في تنفيذ المادة 140 الخاصة بكركوك فضلاً عن مواقف التيار ''الصدري''، الذي خرجت بعض فصائله حتى عن سيطرة زعيمه التقليدي مقتدى الصدر، لم يعد لدى المالكي سوى الجلسة الأسبوعية عبر الدائرة المغلقة مع الرئيس بوش الذي يقدم له الدعم المشروط· فبوش يريد من المالكي أن يحقق المصالحة ويمرر قانون النفط والغاز والعدالة والمساءلة، وهي قضايا يصعب التوافق عليها في ظل الأوضاع الحالية في العراق· إزاء هذا كله، فإن انسحاب التوافق من الحكومة ربما يكون قد دق أخطر مسمار في نعش حكومة المالكي، لاسيما بعد بروز تناقضات كبيرة ليس داخل الائتلاف العراقي الشيعي، بل حتى داخل ''حزب الدعوة'' نفسه الذي ينتمي إليه المالكي· فمن الواضح أن إبراهيم الجعفري، وهو منافس قوي للمالكي أخذ يتحرك الآن بقوة لبلورة مشروع إنقاذ، فيما يتحرك من جانب آخر رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لبلورة مشروع إنقاذ آخر، بينما يقف ''عادل عبد المهدي'' كأبرز مرشحي التسوية، في وقت ظهر فيه الآن نجم جديد على ساحة المنافسة للحصول على لقب مرشح التسوية وهو الأكاديمي والعلماني المعروف مهدي الحافظ، الذي خرج مؤخراً من تحالفه مع إياد علاوي وذهب فور عودته إلى العراق من عمان لزيارة المرجع الديني آية الله السيستاني في النجف، لكي يثبت أنه وإن كان ماركسياً مخضرماً، فإنه من جذور شيعية وهو ما يحتاجه للوصول إلى كرسي حكومة الإنقاذ القادمة· يبدو أن حكومة المالكي في أسوأ أيامها، لجهة ما يمكن اعتباره اتفاقاً سياسياً ضمنياً على إزاحتها في الفترة المقبلة، خاصة بتصعيد جبهة التوافق السنية مواقفها وانسحابها من الحكومة· وتفيد مصادر مختلفة بأن السباق إلى كرسي رئاسة الحكومة بدأ منذ وقت مبكر، ويتكثف هذه الأيام مع إقرار الأطراف المشكلة للحكومة بضرورة إحداث تغيير جوهري فيها·
ويجتهد رئيسا الوزراء السابق والأسبق إبراهيم الجعفري وإياد علاوي، بالإضافة إلى المرشح الدائم للمنصب عادل عبد المهدي، للحصول على توافق على أي منهم، فيما لا تبدو الخيارات الأخرى متاحة عملياً على رغم تقديم السياسي العلماني مهدي الحافظ نفسه كمرشح جديد· وعلى رغم عدم وضوح صورة الزعيم الأكثر قرباً من رئاسة الوزراء، فإن رئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، الذي يقول المراقبون: إنه مندفع أكثر من سواه إلى المنصب، يجد أرضية مناسبة لإعادة طرح اسمه بدعم من ''التيار الصدري''، الأكثر تأثيراً في الشارع الشيعي، بالإضافة إلى حيز من حزب ''الدعوة'' ومستقلين، ويتقرب في هذه الأثناء من جبهة ''التوافق''، التي عارضت تجديد ترشيحه مطلع العام الماضي لكنها عادت واعتبرته أقل تصلباً من المالكي الذي يخوض معها هذه الأيام صراع كسر عظم لا يبدو أنه يتجه لصالحه·
ويقول مراقبون: إن الجعفري أحسن مغازلة السُنة عندما طالب بمنحهم منصب رئيس الجمهورية لـتطمين المحيط العربي فيما يحاول تصفية حسابات مكتومة مع المالكي أبرزها تجريده من زعامة يعتبرها تاريخية لـ''حزب الدعوة''·
في المقابل، تعتقد ''جبهة التوافق'' أن رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي يمثل حلاً وطنياً ويحظى بعد أكثر من عامين على مغادرته المنصب بدعم أطراف سياسية ومسلحة من الطائفتين بالإضافة إلى توافقه مع المنهج العلماني الذي يتكرس الاعتقاد بأنه أحد حلول التصادم الطائفي·
لكن علاوي، الذي أغضب أخيراً الأكراد بتحالفه مع عشائر كردية مناوئة لحزبي الإقليم، سيواجه رفضاً قاطعاً من أطراف شيعية متنفذة خصوصاً داخل ''المجلس الأعلى للثورة الإسلامية'' و''حزب الدعوة'' المقربين من إيران، بل إن انزعاج الطرفين من علاوي دفع إلى محاولة منعه من المشاركة في اجتماع قادة العراق المرتقب· ولدى الأحزاب المتنفذة نفسها بديل مؤثر لعلاوي هو عادل عبدالمهدي، الذي ربما يتجاوز اعتراضات ''حزب الدعوة'' وتيار الصدر بالتحالف مع الأول وتقديم ضمانات للثاني، مستغلاً علاقة سياسية قوية وغريبة تجمعه بطهران وواشنطن في وقت واحد·
جرى توافق قبل احتلال العراق بين أحزاب المعارضة والحكم حالياً وبرعاية أميركية على أن يُمنح منصب رئيس الوزراء لسياسي شيعي يفضل البيت الأبيض أن يكون علمانياً بعد تجربة مريرة مع الأحزاب الإسلامية·
وربما الدافع الأخير كان كافياً ليَطرح سياسي شيعي علماني آخر كان حليفاً لعلاوي قبل أن يعلن انفصاله عنه، اسمه ضمن قائمة المرشحين· ومهدي الحافظ الذي جاء إلى العراق متحالفاً مع السياسي السني عدنان الباججي قبل أن ينفصل عنه أيضاً، بدأ رحلة الترشيح باكراً عبر اتصالات عقدها مع شخصيات دينية سُنية وشيعية، وتوجه أخيراً بلقاء لم يكشف النقاب عن نتائجه مع المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني ومهد لترشيحه بمخالفة توجهات القائمة العراقية التي كان ينتمي إليها لصالح التصويت لصالح قانون الأقاليم الفيدرالية الذي أثار الجدل وأقر بغالبية ستة أصوات أحدهم الحافظ·
انسحاب المجموعة السياسية السُنية الأكبر في العراق من التشكيل الوزاري لحكومة المالكي يوم الأربعاء الماضي، أمر يضعف موثوقية الحكومة بشدة، طبقاً لوصف صحيفة ''النيويورك تايمز'' التي أكدت أنّ هذا الإجراء السني السياسي سيؤدي حتماً الى تفكيك (تحالف الحكومة) ويرجع بالآمال الأميركية والعراقية في المصالحة الوطنية الى الوراء·
وفي هذا المناخ العاصف، ومع بداية العطلة الصيفية للبرلمان التي ستستمر لشهر، أعلن العرب السنة انسحابهم من الحكومة، فوجّهوا بذلك ضربة عاصفة إلى حكومة (نوري المالكي) التي كانت تأمل أنْ تتمكن الأحزاب السياسية المتعادية من اجتياز خلافاتها والتصديق على التشريعات التي ينتظرها الكونجرس الأميركي في منتصف شهر سبتمبر المقبل· وعلى الرغم من أنّ تحالف المالكي الذي يهيمن عليه الشيعة مازال محتفظاً بالأكثرية في البرلمان، فإن معظم المحللين السياسيين- كما تقول صحيفة النيويورك تايمز- يعتقدون أن أي تشريع بشأن المصالحة يقرّه البرلمان من دون دعم الكتلة السنية الرئيسة في البرلمان، التي تمثلها جبهة التوافق العراقية، لن يكون عملياً له أي معنى·
وبكلمات قوية ومحبطة في الوقت نفسه قال (رافع العيساوي)، العضو البارز في جبهة التوافق العراقية السنية: إنّ الحكومة قد فشلت في إتمام المطالب السنية لجعلهم يشاركون أكثر في صنع القرار في القضايا الأمنية، وفي تفكيك الميليشيات، وكذلك في إطلاق سراح المحتجزين الذين يستمر توقفيهم من دون اتهامات·
وأكد ناطق باسم الكتلة السنية لاحقاً أن وزراء الكتلة الستة ومن ضمنهم نائب رئيس الوزراء (سلام الزوبعي) قد قدموا استقالاتهم، لكنّ الأعضاء الـ 44 في البرلمان سيستمرون بالمشاركة في حضور اجتماعاته·
وأوضحت الصحيفة أنّ هذا التحرك هو الإجراء الكبير الثاني بالانسحاب من حكومة المالكي· ففي أبريل انسحب خسمة من الوزراء الموالين لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر احتجاجاً على رفض رئيس الوزراء تأكيد المطالبة بموعد انسحاب القوات الأجنبية والأميركية تحديداً من العراق·
وتؤكد الصحيفة أن الحكومة التي يقودها الشيعة وجّهت بشكل قويّ انتقادات للسنة في الأيام الأخيرة· ويوم الجمعة قبل الماضي كان (علي الدباغ) الناطق باسم الحكومة قد اتهم ''جبهة التوافق'' السُنية بتعمد إعاقة العمل مع الحكومة وتجاهل ضحايا فترة صدام حسين الإرهابية- على حد تعبيره- بينما تطالب بعفو عن مرتكبي جرائم القبور الجماعية والغازات السامة، وقال: ''إن سياسة التهديدات والابتزاز لا تجدي شيئاً''·
لكن النائب سليم الجبوري الناطق باسم ''التوافق''، توقع أن تشهد الأيام المقبلة وساطات ومفاوضات لبحث مطالب الجبهة، وقال: إن طلبات الجبهة معروفة وهي مطالب وطنية لا تخص التوافق وحدها خصوصاً إن الجبهة شريك أساسي في العملية السياسية·
وأوضح أن أي موقف جديد لم يتبلور حتى الآن رغم تلقي الجبهة اتصالات من كبار السياسيين، لكن لم يترشح حتى الآن سوى موقف ''التوافق'' نفسه، مؤكداً أن قياديي التوافق منفتحون على الجميع وأن باب الحوار مازال مفتوحاً·

اقرأ أيضا