الاتحاد

ثقافة

حسن حداد يرسم أشباحاً لا تتبادل الكلام

مشهد من المسرحية

مشهد من المسرحية

تنتمي أعمال الفنان حسن حداد الذي درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد الى الفترة الزمنية التي تمتد بين الانطباعية والتكعيبية، أي فترة ما قبل الحداثة حيث كل شيء يبدأ في الشارع خير مكان لمعرفة الناس وطبيعة المجتمع ومنه يستلهم مواضيعه· وبما أن الوحدة أو العزلة تغلب على طبيعة المجتمع الأوروبي الذي يعيش فيه فإنه يستلهم منها موضوعاته التي تصور هذه العزلة· لذلك فهي شاخصة بوضوح في أعماله وفي بعض الأحيان هي انعكاس لأجواء المدن الكبيرة التي تبدو نسبية ومختزلة في هذه الأعمال، نسبة إلى التفاصيل الصغيرة التي تصورها هذه اللوحات والتي تبدو اجتزاء لمشهد لا يمكن احتواؤه في عمل واحد·

كيانات جوفاء

وبرغم ذلك فهو لا يقوم بعمل تشويهات كبيرة على شخوص أعماله الذين يبدون غير منتمين إلى المكان وهي ليست غايته من ذلك، ولكنه في المقابل يقوم ببعض الاختزالات والتبسيط على الشخوص والمفردات وإلغاء أجزاء أخرى والتأكيد على مفردات وأجزاء من اللوحة لاهتمامه الشديد بمسألة الظل والضوء وانعكاساته ومدى رقة وعذوبة وسحر اللون في العمل الفني، حيث تتحول التقنية في تشكيل اللون ولعبة الظل والضوء إلى إغواء· تظهر الكثير من الوجوه بلا ملامح وأحيانا من خلف زجاج سميك أو مرايا صدئة، شخوص بلا هويات أو أشباح عابرة، ولكن بالمقابل هناك ظلال تلمع على الأرضيات النظيفة· يصل الاختزال على هذه الوجوه إلى درجة المحو الكامل أحياناً مما يحول الشخوص إلى كيانات جوفاء في أماكن غامضة·

وحدة اللون

ليس من الصحيح ومن غير الممكن استخدام ألوان جاهزة مباشرة من عصارة (تيوب)، فاللون دون التعامل معه وخلقه من جديد وإيجاد علاقة مع الألوان الأخرى يشكل تقنية أثيرة في عمل الفنان حداد الذي يعد اللون الثانوي القيمة الأساسية في عمله· على أن تذوب هذه الألوان في الوحدة الكاملة التي تمثل العمل الفني كامتلاء قائم بذاته ولذلك تكون الوحدة هذه إحدى مميزات عمله· والوحدة هنا ليس المقصود بها فردانية الشخوص وغربتها داخل اللوحة، وانما هي وحدة اللون وتناغمه وتفاعله مع الألوان الأخرى مثل الطبيعة ذات لون موحد كما يقول كويا، اذ من الصعب بمكان إيجاد جزء نشاز في الطبيعة بالنسبة للعين· وهذا بالضبط ما يشتغل عليه حسن حداد مضافا اليه انعكاس الوضع الشخصي والنفسي على العمل الفني ، اذ إن الإنسان حاضر وغائب في الوقت نفسه كصراخ تحت الماء ·
تبدو فضاءات الأعمال التي عرضت على قاعة ( ليس آرت ) غير مؤثثة برغم أن الفنان يصف حياة الناس اليومية إلى درجة التوثيق احيانا·

إعداد نظري

إن حسن حداد رغم ذلك يقنع المراقب لأعماله بقوة مصداقية رصده من خلال إعداد نظري رائع ودراسة وافيه لموضوعه· فشخصياته تجد نفسها في جو معزول أو في حيز كونكريتي بارد وفاقد للروح كالنفق أو الدهليز، محطات القطارات تحت الأرض، الأنفاق الفارغة وممراتها الداخلية الموحشة· بالإضافة إلى هذا الجو الانعزالي هناك صعوبة وعدم القدرة على الالتقاء والمشاركة بين هؤلاء الشخوص وغالبا ما تكون وضعياتهم معكوسة حيث يديرون ظهورهم للمشاهد كما في لوحة السيدة ذات القبعة·

ولكن حداد لا يكتفي بالتوثيق فقط، فهناك أماكن في لوحاته يمكن زحزحتها أو إلغاؤها من المشهد بوصفها شيئا غير مكتمل أو غير ذات قيمة، دلالة على قلق المكان وعلاقته غير الثابتة أو عدم الشعور بالانتماء إلى هذا المكان الغريب الموحش والمخيف في أحيان كثيرة· الحدود الخارجية للجسد البشري تذوب على شكل إشعاعات وكأنها ليست جزءا من هذه الشخصيات التي تبدو مسمرة في هذه الفضاءات المغلقة بانتظار الانعتاق إلى العالم الخارجي والخلاص· هذه هي الحياة في المجتمع الأوروبي الصناعي شبح يمضي وشبح يأتي من النفق واليه دون تبادل الكلام·
يخلق حداد بعدا سحريا في أعماله، ففي بعض الأحيان تندمج او تتلاشى حدود الشخوص والمفردات وتعوم الخطوط ويتجزأ أو يتآكل المنظور من خلال التغريب ·· تتحول السريالية الرمزية الى عالم مسحور بلمسة رومانسية وتكتسب خفوتها من اللون البني مع الاوكر والأزرق الداكن في حنين واضح الى الهارمونية ·· النور والعتمة ·· الضوء والظلال

اقرأ أيضا

«سرديات تأملية» رحلة إلى المستقبل في أعمال تركيبية