الاتحاد

فكر

كيف تنظر نازك الملائكة إلى إشكالية المرأة العربية؟

بعد نكسة 1967 كانت متغيرات الواقع العربي المأساوية عنصراً جاذباً لكثير من المبدعين العرب· وكان الحال في العراق لا يختلف عن بقية دول المنطقة العربية من حيث تداعيات تلك النَّكسة على المنطقة· وكانت حرية المرأة العربية واحدة من إشكاليات عدَّة دار الحديث حولها في تلك المرحلة كجزء من النَّظر، وإعادة النَّظر في جملة ما كانت عليه أحوال المجتمع العربي من إشكاليات·
في هذا السياق، دُعيت نازك الملائكة 1922 ـ 2007 إلى إلقاء محاضرة في (جامعة البصرة)، كان ذلك في مارس/ آذار 1968 ضمن الموسم الثقافي الرابع للجامعة· وكان بإمكان نازك أن تتناول موضوعاً يمتُّ إلى حقلها الإبداعي في الشِّعر أو النقد أو الترجمة أو أية ظاهرة ذات صلة بالقول الشِّعري أو القول النقدي الأدبي والجمالي· لكنها اصطفت موضوعاً آخر يمتُّ إلى القول الفكري ـ النقدي هذه المرَّة؛ فكانت محاضرتها التي افتتحت بها جامعة البصرة موسمها الدراسي الثاني من العام ،1968 بعنوان (مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية)· وواضح من عنوان المحاضرة أنها تتضمَّن ثلاثة موضوعات هي: منهجية النقد الفكري في جانبه السوسيولوجي وهو ما تؤكده عبارة (مآخذ اجتماعية)· وظهورية المرأة في المجتمع وهو ما تعبر عنه مفردة ''حياة المرأة''· ومن ثم موضوع المرأة العربية باعتبارها بؤرة النَّظر في خطاب المحاضرة·
لنبقى في مجال تحليل مضامين النَّص في مدخله الرئيس؛ ولتقرأ الفقرة الأولى التي جاء فيها: (ليست هذه المحاضرة دراسة في فلسفة الحياة الاجتماعية، وإنما هي بحث في المدلولات الفكرية لحياة المرأة العربية، حاولتُ فيه أن أحلِّل الأزياء إلى مضمونها الروحي، وأربطه بذهن المرأة وحياتها الاجتماعية والقومية)·
نأت الملائكة عن أي حديث نظري مجرَّد عن المرأة العربية، لكنها وفي الوقت نفسه، ما تعالت على البُعد النظري ـ المعرفي باعتباره محصلة لما ستنظر فيه من وقائع سلوكية ومعطيات متحرِّكة في يوميات حياة المرأة العربية·
وجود المرأة في العالم المُعاش أو في الحياة اليومية هي ما تعاينه نازك الملائكة في محاضرتها· وهذا يعني أننا بإزاء تجربة نقدية نسوية مبكِّرة تظهر في الفكر العراقي الحديث، تجربة ربما هي الأولى من نوعها في استقراء ظهوريات الفعل النسوي في مجتمع عراقي للتو انخرط في التحديث البنيوي ـ ابتداء من ثورة 14 تموز 1958 ـ، وسار في ركب الانفتاح على أنماط جديدة من الحياة المحدثة لتجد المرأة العراقية فيها كينونتها وهي تجرِّب قيماً تداولية مختلفة؛ كحرية الحركة، وحرية استخدام الملبس، واستعمال مواد التزيُّن والتزوُّق في مجتمع ـ المجتمع العراقي ـ عُرف بأنه محافظ على قيمه وسلوكه وعاداته·
تنظر الملائكة في فكرة ''الحرية'' كما تفهمها المرأة العراقية وكما تعمل بمقتضاها في ضوء سلوكها اليومي· ففي مرحلة ستينيات القرن العشرين كان هناك قول دارج في المجتمع العراقي مفاده (أن المرأة قد تحرَّرت، ونريد بذلك أنها أصبحت قادرة على الخروج والدراسة في الجامعة والعمل في وظائف الدولة)· إلا أن هذا الفهم للحرية يكتنز ـ من منظور الملائكة ـ قصوراً كبيراً؛ فالحرية تعني: (سقوط القيود والأغلال عن الذهن الإنساني بحيث يقوى على فرض نظرة جديدة وأصيلة إلى الأشياء كلها، ويستطيع أن يغيرها وفق حاجاته الروحية)·
الملائكة إذن ترفض ''الحرية'' كسلوك بشري غير مؤسَّس على تجربة ذهنية داخلية وأصيلة من جهة، وقائمة على ضرورات الحاجة الروحية للإنسان من جهة أخرى؛ ما يعني أن المرأة العربية/ العراقية تجرِّب، على الصعيد الواقعي اليومي، حرية خارجية وليست داخلية، حرية شكلية وليست تكوينية متمفصلة من ذاتها، حرية مادية وليست روحية، حرية اندفعت المرأة العربية إليها وفق ثقافة ورثت نماذج نسوية إرشادية Paradigms عن أمسنا العربي الإسلامي ذات سلطة رمزية· تقول الملائكة عن أحد هذه النماذج: لقد (تركت الشخصيات النسوية في كتاب ''ألف ليلة وليلة'' نموذجاً سيئاً للمرأة العربية، ذلك هو نموذج ''الجارية'' التي لا يهمُّها إلا لباسها، ولا ترى في نفسها أكثر من متعة للرجل، تعيش بغرائزها، وعليها أن تكون جميلة، وأن تسلِّي الرجل، وتطهو له الطعام السائغ· وهذا النموذج ما زال المتحكِّم في حياة المرأة العربية، لم يغيره خروجها إلى الحياة العامّة قطعاً، وكل ما تغير فيها أقوالها؛ فقد بتنا نسمعها تتحدَّث عن دور اجتماعي عظيم تقوم به، وخوض لمختلف مجالات العمل والبناء، وتحرُّر من عبودية القرون المظلمة)·
لا بد هنا أن نقف عند مستوى وطبيعة وأهمية النقد الذي تكيله الملائكة إلى ما تكرِّسه المرأة العربية من حرية في ضوء حضور هذا الأنموذج المتسلِّط كمورث ضاغط عن السَّلف؛ فالمرأة في حقيقة سلوكها ما زالت ''جارية'' معنية بالشَّكل الذي يرضي الرجل ويشبع حواسه، كما أن تكريسها للحرية ما زال ''صوتياً''، لأنها تفعل غير ما تقول، وتقول غير ما تفعل، وما تقولهُ يبدو أنه يحمل قيماً متعالية بعيدة على الواقع الذي تتحرَّك فيه· والخلل، كما ترى الملائكة، هو خلل يرتبط بطبيعة الفهم والذهنية التي تفكِّر المرأة من خلالهما في الحياة وفي العالم من حولها؛ فلدى المرأة العربية (تجزيئية واضحة تفرِّق بين القول والعمل، بين النيَّة والتطبيق، بين الفكر والحياة)·
المرأة العربية إذن لا تعاني من عوق جسماني، ولا من خلل بيولوجي، إنما من خلل ثقافي يرتبط بطبيعة ذهنيتها النسوية وهي تفكِّر في الذات وفي العالم وفي العلاقة بينهما· وهو خلل غير متجذِّر في ذهنية المرأة على نحو ماهوي أو خلْقي بل هو خلل ثقافي طارئ عليها وعارض لها بسبب السلطة الرمزية المتأتية عن أنموذج المرأة العربية الجارية·
ربما نلتقي هنا، ولأول مرَّة في مسيرة الفكر النسوي العراقي بل والعربي أيضاً، مع رؤية نسوية تتوسَّل النقد الذاتي في جوانبه السوسيولوجية، والنقد الأبيستيمولوجي في جوانبه المعرفية؛ والنقد الثقافي في جوانبه السُّلطوية؛ حيث تتصدّى الملائكة إلى نقد الفاهمة البشرية في جنسها النسوي ما يعني لدينا، ومن الناحية الزمنية، أن نازك الملائكة سبقت الكثير من الكاتبات العربيات اللواتي اشتغلن ضمن رؤية نقدية جذرية أو راديكالية زفلىكفٌٌ؟ مثل فاطمة المرنيسي ورجاء بن سلامة وغيرهن، في نقد طبيعة الذهنية النسوية العربية، والكشف عن عوائقها المعرفية والسوسيولوجية والثقافية·
وإذا كانت ''الحرية'' تُعدُّ نظرةً جديدةً وأصيلةً إلى الأشياء تفرضها حاجات الإنسان الروحية، فإن رؤية الملائكة إلى ''الجمال'' لا تكاد تختلف عن رؤيتها إلى مفهوم الحرية؛ فكلاهما شعور وإحساس داخلي· ولذلك تقول عن هذا الجمال: (إنه جمال ينبع من الروح الكبيرة المستوعبة، والذهن الحر المرن، والقلب النابض الرقيق، وهو جمال الخلق الكريم والعذوبة، والخشوع لله والنزاهة، وكبر النَّفس)· فالجمال إذن قيمة جوانيَّة لدى الإنسان مصادرها الروح والذهن والقلب· بل هي قيمة طبيعية وتلقائية لدى الكائنات؛ فالجمال هو (ملك الوردة الحمراء المشتعلة بالحرارة واللون والخصوبة على غصنها اللدن، والوردة لا تتأنق، والجمال ملك للفراشة التي وهبها الله ألوانها، ولم تضع على شفتيها أحمر الشِّفاه، ولم تزجج حاجبيها بالقلم الأسود، والجمال ملك لفتاة ذكية العينين، بسيطة المظهر، يشعُّ وجهها عطفاً وحناناً، وكأنها تريد أن تحتضن الوجود وتغمره بمشاعرها الكريمة)· لكن المرأة في سلوكها الواقعي واليومي ـ كما ترى ذلك الملائكة ـ لا تتعامل مع الجمال وفق هذه المصادر الداخلية المتوفرة لدى كل البشر، إنما تتعامل معه كما لو كانت مصادره خارجية ومعاييره متأتية من الواقع الموضوعي الذي يحدِّد قيمة الجمال الماهوية وماهيته القيمية الخاصة به·
في ضوء هذه الرؤية التي ترى في ''الجمال'' أنه داخلي وطبيعي وتلقائي، وجَّهت نازك الملائكة سهام نقدها الاستقرائي والجذري لجملة من المظاهر والسلوكات والتمظهرات التي تعدها المرأة العربية تعبيراً عن الجمال إن لم تكن تعده الجمال بعينه أو في ذاته·
بدت المرأة أمام ناظري نازك الملائكة ''دمية''، ولأنها كذلك، فقد جعلتها موضوعاً لدراسة استقرائية، ولتضع على مشرحة التحليل النقدي ما تستخدمه المرأة/ الدمية من وسائل ومظاهر وعلامات، وهي بذلك تضع نفسها، وعلى نحو مبكِّر وربما ريادي، في حقل التحليل السيميائي لأنها راحت تبحث عن علامات ما تعدُّه المرأة دالاً على الجمال في محاولة منها لتعطيل قيم الجمال الفطرية وتعويضها بقيم جمالية مصنَّعة·

اقرأ أيضا