الاتحاد

دنيا

«شاشات» صفراء!!

فيما يبدو أن الإعلام في وطننا العربي- عدا المقروء والمسموع- لم يصل بعد إلى مرحلة النضج، التي تُـمكِّنه من التعاطي مع الأحداث الجارية بشيء من الحيادية والمصداقية والدقة، حتى تظهر الحقائق جلية أمام الرأي العام دون تشويه أو أغراض “موجهة” لا تخلو من سموم الهدم واشعال الفتن..!
ففي أكثر من أزمة لاحظت - من وجهة نظري المتواضعة - أن بعض الفضائيات الإخبارية، قد رسبت في امتحان المصداقية مع المشاهد، فنراها تركن إلى الإثارة والقفز فوق أسوار الأحداث للحصول على مكاسب إعلامية وهمية، رغم أن الصورة “دوماً” لا تكذب ولا تتجمل، ولا تحتاج في كثير من الأحيان إلى تعليق.
ورغم ذلك شاهدنا بعض هذه القنوات، أثناء تغطية أحداث مصر الحالية مثلاً، ومن قبلها تونس، وهي تثير القِيل والقَال، وتضع أخباراً غير صحيحة على شريط الأحداث أسفل شاشاتها، وتنسب تصريحات لأشخاص، هم أنفسهم لا علم لهم بها، وبذلك اختارت هذه القنوات السير ضد تيَّار المصداقية، رغم أن نقلها للحدث عبر الكاميرات يتم بحرفية ولا أروع، ولكن اعتمادها على الشائعات والترويج لها لأغراض مشبوهة يعد كارثة بكل المقاييس، ويعتبر جريمة معلوماتية في حق المشاهد على المستوى العربي، الذي يترقب ما يحدث في مصر بقلق شديد، وهي تتعرَّض لانهيار على كافة الصعد.
فلا أحد ينكر أن مصر الآن على حافة الهاوية، ورغم ذلك فليس مطلوباً من هذه القنوات أن تغض الطرف عن تغطية الأحداث أو رصد واقع الأمور عن كثب، أو تعرية الحقيقة، فالمشاهد من حقه أن يعرف ما يدور، وكلما وضعته قناة ما في قلب الحدث كلما زاد احترامه لها وتمسك بها وتابعها دون غيرها. إلاّ أنه في نفس الوقت لن يتهاون مع قنوات قد تسهم في “لي ذراع” الحقيقة، وإحداث “بلبلة” هنا أو هناك، ببثها أخبار عارية تماماً من الصحة، خاصة وأن بعض هذه القنوات تعتمد في مصادرها على العشوائية وعدم انتقاء المصدر الذي يمدها بمعلومة صحيحة، فكيف لفضائية تعرض آراءً صوتية “لكل من هب ودب”، لدرجة أن المشاهد أحياناً يصاب بحالة من فقدان التوازن العقلي وهو يرى نفسه هدفاً حقيقياً لآراء متضاربة تحمل كل الأهواء الشخصية، وتحمل سهاماً هجومية ضد كل من يختلف مع المتحدث.
للأسف هُناك قنوات إخبارية لم تعرف الفرق بعد بين الحرية والفوضى - تماماً مثل رجل الشارع البسيط الذي قد يستغل حريته في الإضرار بنفسه أو بالآخرين - فنراها تلهث خلف معلومات مثيرة لتبثها على الشاشة بغض النظر عن مصداقيتها أو نتائجها، المهم أن تحقق مكاسب إعلامية دون أن تحسب إن كانت سوف تُـحسب لها أو عليها. ومما لا شك فيه أن الأزمات المتلاحقة التي مرَّت بها بعض البلدان العربية أفرزت “فضائيات صفراء” تعتمد على الإثارة والفضائح، لنرى أنفسنا أمام ظاهرة جديدة علينا، تتبناها قنوات تحولت “شاشاتها” للون الأصفر، لتنافس الصحف الصفراء التي ظهرت مؤخراً في بعض دولنا العربية، واعتمدت أسلوباً فضائحياً في طرحها، يضمن لها زيادة التوزيع وتحقيق الأرباح على حساب الأخلاق، بعد أن سارت على نهج بعض صحف الغرب التي تصدر - ليس باللون الأصفر فقط، بل وبكل ألوان الطيف!! ومع ذلك فنحن مع الاعلام الحر، لكننا ضد الاعلام المغرض.. ومع الجرأة، لكننا ضد الصيد في الماء العكر.


سلطان الحجَّار

اقرأ أيضا