الاتحاد

دنيا

فقاعة شبكات التواصل الاجتماعي

يدور جدل واسع حول تأثير شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي في محاولة لمعرفة حقيقة دورها في الحراك الداخلي الأخير في عدد من دول المنطقة. ومن تجليات تعظيم هذا الأثر أن البعض بات يترقّب ما يجري من دردشات ورسائل عبر هذه الشبكات بين مواطني بعض الدول ويتوقع قيام حراك مماثل وفي أي وقت!
لكن حتى لو صحّت مثل هذه التوقعات، فإنه من المستبعد توقف الجدل ويُرجّح استمراره لعقود أخرى مثلما استمر النقاش والتباين دائراً حول حقيقة دور الإعلام والصحافة منذ نشأة الإعلام الجماهيري أو مثلما يستمر النقاش والبحث المُزمن حول انعكاس اختراعات الاتصال على العادات والقيم الاجتماعية منذ التلغراف ومروراً بالهاتف الثابت وانتهاء بالهواتف المحمولة الذكية. ومع ذلك فلا مناص من هذا النقاش وتطويره ، فقوة حضور هذه الشبكات اليوم، وخاصة فيسبوك وتويتر وما شابههما، يُحتم مقاربتها ولو على سبيل محاولة رصد للملامح العامة، منها:
1- إن أثرها، أيا كان، ليس واحدا وموحدا في كل المجتمعات، على الأقل من حيث طبيعة التأثير. فاستخدامها الواسع بدأ في الغرب لكنه لم يؤد إلى نتائج مماثلة لما يحكى عنه في مجتمعات المنطقة والمجتمعات الأكثر تعطشا للنمو .ولعل أقصى ما أمكن رصده هناك حدث أثناء حملة باراك أوباما لانتخابات الرئاسة بفضل دور كريس هوجز مسؤول إعلامه الرقمي وأحد مؤسسي فيسبوك. وأيا كان حجم هذا الأثر فإنه لم يكن انقلابيا وفُجائيا كان داخل سياق النظام الانتخابي.
2- مقابل ذلك يمكن القول إنه كلما ضاقت فرص التعبير عن قضايا عامة وأساسية في وسائل الإعلام التقليدية كلما كان البحث عن وسائل بديلة أمراً بديهيا. ومن هنا تنبع خصوصية دور الشبكات في مجتمعات لا تجيز هامشا واسعا لحريات الصحافة ولا تخوّل الإعلام القيام بدور التعبير العام (الجماهيري) بدل أن يكون مجرد وسيلة لـ»توجيه» الجمهور. أي أن جوهر إشكالية الدور التغييري للشبكات يرتبط بحال وسائل التعبير الأخرى.
3- إذا كانت المداخلات والدردشات عبر شبكات التواصل هذه تُتهم كثيراً بالشخصانية والمغالطات وترويج معلومات سطحية، إلا أن ذلك يغفل أن أهميتها ليست في صدقية وموضوعية محتويات بقدر ما هي في الحالة العاطفية التي تترجم غالباً بتكوين المجموعات بين زوار الشبكات. أي أن قيمتها ليست في التعبير الكمي بقدر ما هو في التعبير النوعي وهو ما يميزها على سبيل المثال عن استطلاعات الرأي فرغم أن الأخيرة أكثر تحديداً في قياس الرأي العام واتجاهاته إلا أن نسبها جافة وبعيدة جداً عن المشاعر الإنسانية خلافا للشبكات (وهذا عنصر مشكك في مقولة إن التكنولوجيا الحديثة تضعف حتماً دفء العلاقات الاجتماعية).
4- بقدر ما ينتشر الإقبال على الشبكات الاجتماعية ويتحول إلى فقاعة على الرغم من تحذيرات انتهاك الخصوصية بقدر ما يمكن تلمس درجة إلحاح «الحاجة» أو الرغبة، فردية أو اجتماعية. ومن خلال تتبع مضمون هذه الحاجات ودرجة سرعة «فقّاعتها» يمكن ربما رصد توجهات مرتادي المواقع وتوقع بعض النتائج قبل حدوثها على أرض الواقع. لذا، تصبح هذه التوقعات أكثر يقينية كلما استمرت الفقاعة في النمو وطالت مع الوقت. في هذه الحالة تكاد تكون هي الواقع نفسه. هذا ما يجب ترقُبه الآن.

د.الياس البراج barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا