الاتحاد

ثقافة

"انتظارات".. جدلية الزمان والمكان في الحياة

عبدالله صالح وأشجان يؤديان دوريهما في المسرحية

عبدالله صالح وأشجان يؤديان دوريهما في المسرحية

كان من الصعب حقاً أن يقدم نص مسرحي تحكمه مساحة مكانية ضيقة وكأن الخشبة بالرغم من اتساعها لا تفي بغرض المعنى الذي يراد تقديمه، ذلك ما حصل يوم أمس الأول في عرض مسرحية ''انتظارات'' للمؤلف والممثل عبدالله صالح والمخرج محمود أبوالعباس لمسرح دبي الشعبي التي قدمت على مسرح المجمع الثقافي في أبوظبي ضمن نشاط جمعية المسرحيين في مهرجان المسرح 2007 الذي تستضيفه هيئة ابوظبي للثقافة والتراث·
النص يحكي حادثة توقف مصعد كهربائي في برج من الابراج وتصادف ان كان فيه رجل وامرأة هما غانم ''مثل دوره عبد الله صالح'' وأماني ''مثلت دورها أشجان '' ·· كلاهما يوحي بأنهما عريسان يصعدان الى أحد الطوابق وهما في ليلة الزفاف·· وليس ثمة اشارة الى ان العريس والعروس قد التقيا صدفة في مصعد وان كلا منهما ذاهب ليتزوج من آخر أو أخرى·· وللمصادفة الثانية ايضا ان الرجل والمرأة لم يعرف أحدهما الآخر بعد سنين من الانقطاع ربما تمتد لسنوات طويلة حيث كانا متحابين إلا انهما لم يوفقا بالزواج·· ذلك ما تحكيه قصتهما ''المضمنة'' حين يتعرفان على بعضهما وكأن الحاضر وصدفته المباغتة بهذا الالتقاء وتوقف المصعد استدعى الماضي المشترك بينهما حيث تتكشف القصة المضمنة الداخلية عبر ''الاسترجاع'' بأن المرأة كانت حبيبة الرجل وان الفارق الطبقي بين اسرتيهما قد أفشل زواجهما كون الرجل فقيرا والمرأة من الأسر الموسورة مما جعل اسرتها ترفضه، ودفعه هذا الرفض الى ان يبحث عن بديل يعوض فقره فذهب الى الخارج ليكمل دراسته فحصل على الدكتوراه وحين يعود بعد ان نسي حبيبته مع تبدل الملامح لكليهما يقرر الزواج ويذهب الى عرسه وكذلك هي تذهب الى عرسها في ذات البرج فيلتقيان صدفة ويتوقف المصعد بهما صدفة ثانية·
لنقرأ هذا التوقف·· انه ربما يعد استعادة زمنية أو توقفا استثنائيا للزمن الحاضر كي يتم استرجاع الزمن الماضي، هنا لابد ان نتفرس اللعبة جيدا، النص يتحرك في الزمان ويتوقف في المكان فكأن الصراع هنا ليس بين الشخصيتين (هو، هي) بل بين الزمان المتحرك المشدود بحركة بندولية بين الحاضر والماضي والمكان المشدود بين الأعلى والأسفل، الأعلى هو الحاضر، الاسفل هو الماضي·· ولنفترض جدلا ألا توقف في المصعد لكان الوصول الى الاعلى هو انتهاء الحاضر بالمستقبل فلا ماض يسترجع، ولكن لأن الماضي هو صلب الحكاية فلابد إذاً من حصول هذا التوقف·
لنتذكر معا فيلم ''بين السماء والارض'' حيث توقف مصعد في عمارة وكان يضم شرائح اجتماعية وطبقية وذهنية خمسة عرضت مشكلاتها عبر لحظة ما قبل الموت المنتظر وكأنها عملية تكفيرية عن كل الذنوب·
هنا المنظور يختلف، ان الصدفة بتوقف المصعد تمارس قوتها المحتملة في كلا العملين الفيلم والمسرحية إلا ان الصدفة الثانية عندما يلتقي حبيبان سابقان هجرا بعضهما بسبب قيم اجتماعية بالية وكونهما عريسين لشخصين آخرين فإنها تبدو اكثر جمالية لم تحصل في الفيلم بينما استجلبها المؤلف لتمارس هيمنتها على النص·
لم تكن امام محمود ابوالعباس وهو يرى الحكاية ضيقة المكانية واسعة الزمانية إلا ان يلعب على الثابت فيحوله الى متحرك وهمي ليكسر بذلك الملل الذي سيكتنف المشهد فحرك المصعد من يسار المسرح الى يمينه واعاده ثانية الى اليسار عبر التلاعب بزواياه أو البؤر الراصدة للمشهد·· وهو تلاعب خدم النص مما جعل السينوغرافيا اكثر ايحاء بالرغم من عدم استخدامه الحبال الحاملة للمصعد كدلالة وهو في كل ذلك خلق رمزا أتصور انه مقبول كشفرة دالة تؤدي الى مدلول بالرغم من عدم اكتمال ملامحه·
يتخذ المسرح شكلا مطابقا لتقابل الماضي بالحاضر، فعندما يعيش الرجل والمرأة لحظة الحاضر يكونان بالمصعد وعندما يعيشان استذكار الماضي يخرجان من المصعد الى فضاء المسرح المحاذي·· هي تخريجة ابداعية تحسب لمحمود أبوالعباس·
بعد ان يتعرف الشخصان على بعضهما يتحول المصعد الى اشبه بمنطقة ''اعتراف'' ليس حول موضوعة فشل اللقاء في الماضي وانما حول مفاهيمهما ازاء الحياة، هكذا إذاً يمارس المكان ''المعادي'' سطوته بعد ان كان مكانا ''اليفاً''·· الاعترافات تبدأ في الأمكنة المغلقة القاسية التي تهدد بالموت·· تلك هي اشارات النص· لذا فإن خروج محمود أبوالعباس الى فضاء المسرح وعند منتصفه تحديدا اشعل جذوة الماضي كون الفضاء ''المفتوح'' يستدعي ذاتا مفتوحة على كل ماضيها اما الدخول الى حيز المصعد كونه فضاء مغلقا فإنه يستدعي الآخر المعادي· هنا تتقابل الثنائيات كلها في هذا العمل كثنائيات ضدية، رجل / امرأة، اعلى / اسفل، حاضر/ ماضي، مغلق/ مفتوح· ذات/ آخر، كبت/ رغبة، نجاح/ فشل·· وما يقابلها جميعا حياة / موت·
اما استخدام الشاشة السينمائية التي صاحبت العرض فلا اظن انها افادت المشهد المسرحي بل اضرت بالنص المقدم بالرغم من صحة مفهوم تعالق الفنون، مسرح/ سينما الذي ربما يدفع النص لكي يقدم كل ما لديه عبر وسائل مختلفة ''تتعاضد'' تأويليا في توصيل المعنى·
الخطاب متعدد، حوار ديالوجي بين الرجل والمرأة، مونولوج ملفوظ يقوم به كلاهما، خطاب للآخر المجهول عبر استنجاد المرأة بآخر غير مرئي، مع تصاحب وتداخل ''هجانة - من التهجين حسب باختين'' في استخدام لغات أو مقاطع من لغات مختلفة ''صينية، اوردية، انجليزية، روسية'' تؤدي معنى واحداً·
الموسيقى كانت ذات دلالة احتفالية خدمت النص كونها تجسد فرحا بعرس تعزف فيها انواع مختلفة منها·· إلا اننا حين نتمعن بالعلاقة بين الموروث والحضارة لوجنا النص يناصر الموروث ضد ادوات الحضارة الغادرة حيث نلحظ في مفاهيم الرجل ما يؤكد ضديته لتحول الانسان الى رقم وهذا ما بشر به العلماء العرب عندما قرنوا بين الاسماء والارقام، وكأنه بذلك يقف ضد كل هذا، هي انتقادات للمعرفة المتحضرة الغادرة التي غيبت ذواتنا، حطمت مجمل العلاقات الانسانية الثرة·· وكأن النص يؤكد على تشيء الانسان·
هل تشيأ الانسان فعلا بحيث اصبح محكوما بالآلة التي جعلته معلقا بين السماء والأرض أو التي جعلته يفضح ذاته في لحظة أزمة·
يستخدم عبدالله صالح في سيناريو النص الحقيقة والمجاز معا في لغة شفيفة ذات سياق يعنى بدلالات ليست غريبة ''اللحم'' بمعناه الواقعي وبمعناه المجازي، يلعب محمود ابوالعباس على حركة الجسد فيرسم للشخصيتين ''المرأة اماني والرجل غانم'' الزوايا التي يمكن لجسديهما ان يقدما دلالات النص·· الضوء وتسليطه على بقع في فضاء الخشبة كان محددا بدقة والظلمة التي هيمنت مع موسيقى حادة في نهاية العرض اغلقت كامل النص·· هي عناصر من تأليف عبدالله صالح وإخراج محمود أبوالعباس وتمثيل ''أشجان بدور أماني'' و''عبدالله صالح بدور غانم'' استجمعت قدراتها لتحفر في أرض محروثة عن عطاء جديد يضيف للمسرح الكثير·

اقرأ أيضا

جائزة الشيخ زايد للكتاب تكشف عن القائمة الطويلة لفرع «الترجمة»