الاتحاد

تقارير

من بلفور إلى توني بلير

الآن أصبحت مهمة توني بلير حقيقة واقعة، وقد قال بعد أول زيارة له للمنطقة إنه يستمع إلى كافة الآراء، وعندما أطلقت لأول مرة إشاعة أن رئيس وزراء المملكة المتحدة المنصـرف، سيعهد إليه بدور دولي في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، تساءل كثير من المراقبين والمعلقين -ومعظمهم في''شك'' من صدقية الرسالة الموجهة- ما الذي يدفع السياسي البريطاني المثير للجدل بمغامرة كهذه غير مضمونة العواقب بعد حياة سياسية صعد فيها نجمه ولمع كثيراً وخبا أيضاً بمثل ما صعد وبخاصة في سنواته الأخيرة لولا مأثرته المُجمع على قيمتها بين البريطانيين ووقفته وتحقيقه السلام في أيرلندا؟ بل ذهب بعضهم الى القول بلا معقولية ''الإشاعة'' المبرمجة أن يتطلع توني بلير إلى دور في الشرق الأوسط، وهو يعرف أن غالبية الناس في تلك المنطقة الوعرة من العالم ينظرون إليه ويعتبرونه أحد رجلين صنعا في ذلك العالم ما تعتبره شعوبه وبعض حكامه أفظع وأشنع الكوارث التي أصابت العرب والمسلمين في هذا العصر بعد كارثة فلسطين· فالدور الذي لعبه رئيس الحكومة البريطانية في الغزو الأميركي للعراق هو نوع من الجراح التي لا تُنسى ولا تندمل في زمن وجيز· وسيظل جرح العراق بالنسبة للعرب، للأجيال التي عاشت وشهدت بشاعتها بأعينها المفتوحة ولأجيال قادمة منهم هو جرح عميق الغور شديد الألم·

أصبح ما كان بالأمس إشاعة مبرمجة حقيقة ثابتة، وها هي ''الرباعية'' قد اختارت توني بلير ليكون مبعوثها الخاص في مهمة حددتها بتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ومساعدة الفلسطينيين في بناء دولتهم ومؤسساتهم الديمقراطية، وأن السيد بلير سيركز جهده المستمر لتحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية في مناخ القانون والنظام، وهي الأهداف التي تسعى لتحقيقها الرباعية··· وقد سارع كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية ورئيس السلطة الفلسطينية بإعلان ترحيبهما بالسيد بلير·

ومع ذلك يبقى السؤال قائماً: ما الذي يدفع سياسياً مثل بلير لركوب هذه ''المغامرة'' في وقت تبدو فيه الحالة الفلسطينية في أشد درجات تمزقها وانقسامها، وهي مهددة بقيام دولتين في ما تبقى من الأرض: دولة غزة ودولة الضفة الغربية؟

هل يا ترى هو ذلك الطموح الشخصي والثقة الزائدة بمقدراته الشخصية، الذي طبع حياته السياسية وكان دائماً سبب نفور كثير من رفاقه في حزب ''العمال'' منه؟ هل هي تلك الحاسة الملهمة التي تحدثت عنها مرة زميلته الوزيرة ''شورت'' وقالت إن بلير مثل بوش يزعم أن هناك لحظات من ''الإلهام'' تأتيه ويتخذ أخطر القرارات من دون الرجوع حتى لأخص وزرائه وزملائه! هل هو الإحساس بأنه مطالب بأن يغسل عن يديه بعض الدم العربي الذي شارك في سفكه في العراق كما قال أحد المعلقين البريطانيين المناوئين لسياسته في العراق؟ أم أن الرجل مشغول جداً بمكانته في التاريخ يريد أن يسجل له التاريخ أنه صانع السلام في أيرلندا وفلسطين؟

لقد سبق توني بلير لمثل هذه المهمة رئيس البنك الدولي الأسبق (جيمس وولفيسون)، الذي عينته ''الرباعية'' مبعوثاً خاصاً لها في الشرق الأوسط، ولكنه لم يلبث منذ أكثر من عام أن حزم حقائبه ورحل معرباً عن استيائه و''قرفه'' من العراقيل التي ظل الموظفون الإسرائيليون والأميركيون يضعونها في طريقه، فهل يا ترى تلقى السيد بلير تأكيداً والتزاماً حازماً من القيادة الأميركية- الإسرائيلية بمساعدته في تحقيق مهمته التي سيدخل بها التاريخ كما يأمل ويرجو؟

نعم أن مهمة تحقيق السلام الفلسطيني- الإسرائيلي مهمة شاقة وصعبة خاصة في مثل هذا الوقت الذي يمر به الفلسطينيون· فسلام بين الضفة وإسرائيل لا يعني أن سلاماً قد تحقق في فلسطين· والتوجهات الغربية التي ترى في دعم وتأييد قسم من الفلسطينيين المعتدلين سياسة ناجحة سرعان ما ستكتشف أن فلسطين الممزقة في دولتين هي أشد خطراً على قضية السلام والأمن والاستقرار في المنطقة كلها، بل أشد خطراً على إسرائيل نفسها التي تبنت هذا المبدأ· ومع ذلك فربما استطاع السياسي البريطاني أن يحقق إنجازاً تاريخياً في فلسطين ··· وستكون تلك إحدى سخريات التاريخ الذي شهد من قبل سياسياً بريطانيا منح اليهود بوعد منه دولة في فلسطين (وعد بلفور) وكان وعده ذلك بداية لمأساة مستمرة، وقد يكون التاريخ الشديد السخرية قد أراد أن يكون سياسياً بريطانياً آخر هو صانع السلام في فلسطين!

اقرأ أيضا