الاتحاد

تقارير

"الناتو".. مهمّة مستحيلة لحفظ الأمن في أفغانستان

الانفلات الأمني أكبر تهديد للاستقرار في أفغانستان

الانفلات الأمني أكبر تهديد للاستقرار في أفغانستان

هل تحوّلت قوات حلف شمال الأطلسي (NATO) في أفغانستان إلى مرتزقة لدى القبائل المتنازعة التي تعيش في الشمال الغربي للبلاد على طول الحدود الإيرانية-الأفغانية؟ سؤال غريب لكنه واقعي، خصوصاً عندما نعلم أنّ أيّ بلاغ كاذب عن وجود ''مقاتلين إرهابيين'' في صفوف القبيلة المستهدفة كفيل بأن تأتي القوّات الأطلسية بمدرّعاتها وآلياتها وطائراتها القاذفة لتدمِّر القرية بمَن فيها حاصدة بقنابلها حياة عشرات المدنيين الأفغان من رجال وأطفال ونساء لا ذنب لهم سوى أن القبيلة المنافسة لقبيلتهم وشت بهم على أنهم من ''طالبان'' أو ''القاعدة''·

إذاً، ما تفعله القبائل الأفغانية ''الذكيّة'' هي قتال بواسطة الـNATO ، فهي لا تلطخ يديها بدماء خصومها المحليين، بل تترك هذه المهمة للقوات التي دخلت إلى أفغانستان لحفظ الأمن غير المتوافر لغاية الآن· ما هي الصورة اليوم في الشمال الغربي لأفغانستان؟ وماذا يقول السكان المحليون عن القوات التي تحوّلت اليوم إلى شبح يحمل لهم الموت والدمار؟

منذ أن دخلت القوّات الأميركية وحلفاؤها إلى أفغانستان في العام 2001 رافعة شعار ''الحرب على الإرهاب'' و''تحويل كابول إلى نموذج للتقدّم والرقيّ في دول العالم النامي''، تناقلت وسائل الإعلام أخباراً لا حصر لها عن وجود اضطرابات أمنية وحركات مقاومة وتمرّد في جنوب البلاد شرقاً وغرباً· وبالتأكيد، فإن حركة ''طالبان'' كانت دائماً في الصورة· أما اليوم، فمن الواضح أن الاضطرابات استوطنت الشمال الغربي الأفغاني، ولكنها هذه المرة لا تتعلق بمناهضة الحكومة وقوات الـNATO ولكنها تستند بالدرجة الأولى إلى الغلّ المتبادل لدى القبائل المحلية الذي تفجّر بطريقة بشعة جداً اقتضت الاستعانة بالقوات الأجنبية ''لتدمير'' الخصم المحلي، وربما كان سبب النزاع على رأسين من الماشية أو على شبر من الأرض أو على فتاة من قبيلة ثالثة!

حسبما يقول مواطن محلي فإنه ''في كل مرة ينشر خصومها قصصاً كاذبة عن أن منطقة شينداد مليئة بالباكستانيين والشيشان، من دون أي دليل، تحمل قوات الـNATO بالطائرات والدبابات على مدينتنا بعنف، وفي المحصلة فإن مّن يموت هم من المدنيين''· ويضيف:''إن حاكم مقاطعة فرح المجاورة لشينداد ليس لديه أي سلطة على منطقته التي تعجّ بأنصار طالبان لذلك فهو يدّعي أن شينداد هي التي تغصّ بهؤلاء المقاتلين''· أما الرجل المسيطر على شينداد ''حاج نصرو'' فيقول:''لقد اعترفت السلطات الأفغانية بأن التفجير الأخير الذي قامت به قوات الناتو قد أودى بحياة 57 مدنياً أفغانياً، وأبرز دليل على أن الذين قضوا من المدنيين هو وجود بطاقات انتخابية بأسمائهم، في حين أن أفراد حركة ''طالبان'' غير مخوّلين الحصول على هذه البطاقات''· الجدير ذكره، أن أبناء تلك المقاطعات في الشمال الغربي موالون لحكومة الرئيس ''كارزاي''، وبالتالي فإنّ لا مشكلة سابقة لديهم مع قوات الـNATO، ولكن الصراعات القبلية المستحكمة في المنطقة واتخاذ قوات حلف شمال الأطلسي خطوات عسكرية متسرّعة بحق الكثيرين منهم هي التي تنمّي الكراهية في صفوفهم ضدّها، حتى أن أحد الطاعنين في السن وقد خسر اثنين من أبنائه، لم يتردّد عن التصريح بـ''أن الحقد في نفوسنا يتنامى ضدّ القوات الأطلسية، إذ فجأة ومن دون سابق إنذار تهاجمنا في مناطقنا وتهتك أعراضنا وتقصف منازلنا، وعندما يحصل ذلك مرة أخرى أقولها بصراحة إنني سأدعو إلى إعلان الحرب على هذه القوات''·

ويضيف: ''كان الجيش السوفييتي أكثر رحمة من الأميركيين والغربيين، فإنه كان ينذرنا قبل أن يغير على أي موقع لكي نخلي عائلاتنا، أما قوات شمال الأطلسي، فلا تكترث لأي شيء، فهي تلقي بقنابلها وتغادر، حتى أننا لا نرى جنودها على الأرض لأنهم دوماً يختبئون خلف مدرّعاتهم''·

لعل سبب عمليات الـNATO العشوائية في المنطقة المذكورة يعود إلى أن الكثير من أبناء ''شينداد'' كانوا قد انضموا إلى ''طالبان'' بين عامي 1996 و،2001 ولكن معظم هؤلاء المحليين تم نفيهم إلى إيران، أما اليوم وبعدما اتخذت طهران خطوات فاعلة لطرد اللاجئين منها، فإنهم يعودون بكثرة إلى أفغانستان وإن كانوا لا يعودون إلى ''شينداد'' تحديداً، بل إلى مناطق ومقاطعات تقبع تحت سيطرة ''طالبان'' ومنها مقاطعة فرح، بحيث يتم تجنيدهم في صفوف الحركة وتزويدهم بالمال والعتاد·

الكثير من المراقبين يرون في العمليات العسكرية العشوائية التي تشنها الـNATO على مواقع للمدنيين تعبيراً عن قلقها المتنامي وفشلها في تحقيق الطموحات و''الأحلام'' التي رسمتها لنفسها قبل الدخول إلى أفغانستان، خصوصاً وأنها لم تحقق تقدماً يذكر، كما أن ذلك يعكس الإخفاق الأميركي الكبير بعد 6 سنوات من دخول أفغانستان وبعدما وصلت العناوين العريضة التي وضعتها للغزو إلى القاع ومن هذه العناوين: المساواة، تعزيز الديمقراطية، تنمية التعليم والقطاعات الاجتماعية، تحسين المستوى المعيشي، الحدّ من الجرائم والعنف والاتجار بالمخدرات، السيطرة على الحركات الدينية الأصولية، ولربما أيضاً تأمين بطاقة سفر إلى المريخ لكل أفغاني!، هذه العناوين التي كتب لها الفشل الذريع رغم ما تدّعيه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون من حشد مليارات الدولارات لمساعدة الأفغان الذين بدأوا فعلاً يتساءلون عن مصير هذه الأموال التي يسمعون عنها فقط ولا يتسنى لهم رؤية أي أثر من آثارها·
وغالباً ما يتم الجمع بين الأموال المخصصة لتنمية أفغانستان وتلك المخصصة للحرب على الإرهاب، وفي المحصلة يتبين أن حياة الأفغان مهددة اليوم أكثر مما كانت عليه منذ عام مضى، وذلك حسبما أشار تقرير للصليب الأحمر الدولي أكد أن هناك مخاطر عدة تحيط بالأفغان أبرزها القنابل المزروعة على الطرقات، التفجيرات الانتحارية، الضربات الجوية التي تشنها الـNATO، هــذا إلى جانب التدهور الكبير في المستوى المعيشي ونوعيــة الخدمات وتدهور قطاعات الإنتاج باستثناء إنتاج المخدرات·

ينشر بترتيب خاص مع أورينت برس

اقرأ أيضا