الاتحاد

تقارير

هزيمة "الليبراليين الديمقراطيين".. وبوادر التغيير في الحياة السياسية اليابانية

تكبد الحزب ''الليبرالي الديمقراطي'' الحاكم في اليابان هزيمة تاريخية يوم الأحد الماضي، ولأول مرة منذ تأسيس هذا الحزب ذي الميول المحافظة في عام ،1955 والذي ظل مسيطراً على السلطة طيلة الفترة السابقة، ينجح حزب آخر معارض في الحصول على أغلبية المقاعد في المجلس الأعلى بالبرلمان الياباني (مجلس المستشارين) أو ''الكونجرس''، ويزيح الحزب التقليدي الحاكم· والواقع أن الرسالة القوية التي أبلغها الناخبون للسياسيين اليابانيين لا تنحصر تداعياتها داخل اليابان فحسب، بل تمتد أيضاً لتلقي بظلالها على العالم بأسره، وبخاصة حليفتها الوثيقة، الولايات المتحدة الأميركية· وتأتي نتائج الانتخابات البرلمانية لتُحيي من جديد المطالب اليابانية بإقامة نظام سياسي قائم على الثنائية الحزبية وإنهاء احتكار الحزب المحافظ لمقاليد السلطة طيلة الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية·

كما عكست الانتخابات أيضاً قلقاً عميقاً لدى اليابانيين من تأثير التغييرات الاقتصادية على النظام الاجتماعي القائم في البلاد والذي يريدون الحفاظ عليه· لذا تجاوب الناخبون مع الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي (الحزب المعارض) المضادة لفوارق الدخل، والمنتقدة لفشل الدولة في رعاية كبار السن·

والأهم من ذلك تعتبر نتائج التصويت هزيمة مهينة لرئيس الحكومة ''شينزو آبي'' ولأجندته التي تركز على مراجعة الدستور الياباني المناهض للحرب والسماح لمؤسستها العسكرية بلعب دور أكبر في مساندة الولايات المتحدة· وفي هذا السياق، نجح زعيم الحزب الديمقراطي المعارض ''إيشيرو أوزاوا'' في تعميم صورة سلبية عن ''شينزو آبي'' تظهره على أنه سياسي منفصل عن مشاغل وهموم اليابانيين العاديين· ويقدم ''أوزاوا'' رؤية بديلة للدور المرتقب لليابان على الساحة الدولية يرتكز على تمتين العلاقات مع جيرانها الآسيويين وعدم نشر قوات يابانية في الخارج إلا بتفويض من الأمم المتحدة وفي إطار مهام حفظ السلام· ويُشار إلى أن اليابان منذ هجمات 11 سبتمبر، كانت أقرب الحلفاء إلى الولايات المتحدة وأكثرهم ولاء لها، حيث أرسلت قواتها إلى العراق، ووفرت الدعم اللوجيستي للحرب في أفغانستان، بل وفاقت أميركا في ضغوطها على كوريا الشمالية·

وفي الآونة الأخيرة، كرر ''آبي'' خطاب إدارة الرئيس بوش الداعي إلى إقامة حلف للبلدان الديمقراطية في المنطقة يضم دولاً مثل الهند وأستراليا، في مسعى خفي لتطويق الصين· والحال أن نتائج الانتخابات الأخيرة ستعطل هذه الخطط وتحد من مسيرتها· ومن جهة أخرى أثارت نتائج الانتخابات مخاوف رجال الأعمال من تعطل السياسة الاقتصادية المتبعة كالإصلاحات الضريبية المرتقبة بعد إدخالها في شبكة من التجاذبات السياسية تحت قبة البرلمان· وجاءت النتائج أيضا لتذكر السياسيين اليابانيين بأن استعادة الاقتصاد لعافيته ترك شرائح واسعة من المجتمع في ظروف صعبة في ظل تدني الأجور وارتفاع معدل البطالة في أوساط الشباب، فضلاً عن الصعوبات التي يواجهها كبار السن ولجوئهم إلى مدخراتهم· ولم ينفع خطاب ''شينزو آبي'' المتفائل والمنكب على الجوانب الأمنية في تهدئة مخاوف اليابانيين، بل بالعكس ضاعف من استيائهم إلى درجة جعلتهم يصوتون ضد حزبه في الانتخابات الأخيرة·

ومع ذلك هناك تأييد قوي من قبل اليابانيين لإحداث تغييرات تدريجية، حيث يتفق أغلب المواطنين على لعب بلدهم لدور أمني في الحدود العادية· كما يساند العديد من اليابانيين، لاسيما في أوساط الشباب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية على ألا تمس بالاستقرار الاجتماعي· ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً على الساحة السياسة في اليابان بعد الانتخابات البرلمانية وهو مستقبل الديمقراطية في البلد· فقد عارض رئيس الوزراء ''شينزو آبي'' الدعوات المطالبة باستقالته مبرراً هزيمة حزبه بمجموعة من الفضائح التي طالت أعضاء في حكومته، وبخاصة إعلان الحكومة قبل فترة بأنها فقدت سجل معاشات التقاعد لأكثر من 50 مليون مواطن· ويصر ''آبي'' على أن نتائج الانتخابات كانت مجرد سوء حظ ولا تعبر عن رفض اليابانيين لمجمل سياساته، وهي النظرة التي يشاطرها معه المسؤولون في واشنطن· وإذا كانت استطلاعات الرأي التي أجريت عقب الانتخابات تشير إلى تأثير الفضائح على قرار الناخبين، فإنها أيضاً تكشف عن انعدام للثقة مزمن لدى الناخبين في قيادة ''آبي'' الذي سارع إلى تغطية فضيحة معاشات التقاعد·

وحتى الكاريزما الطاغية التي تمتع بها رئيس الحكومة السابق ''جونيشيرو كوزومي'' لم تكن في الواقع سوى غطاء مؤقت فشل في إخفاء نفور الناخبين المستمر عن الحزب المحافظ الحاكم، لا سيما من قبل الشرائح اليابانية التي تقطن في المدن والضواحي· وفي هذا الإطار استطاع زعيم الحزب الديمقراطي المعارض ''إيشيرو أوزاوا'' استمالة الناخبين إلى صفه، بل واستقطاب الأصوات التقليدية المحافظة في المناطق الريفية بين المزارعين والمتقاعدين المتخوفين من المستقبل· و''أوزاوا'' الذي تعرفت عليه قبل أكثر من عقدين، سياسي محنك يملك رؤية ثاقبة للمستقبل· فقد كان أحد كوادر الحزب ''الليبرالي الديمقراطي'' وسعى بكل جهده لخلق نظام الثنائية الحزبية في اليابان والتأسيس لمنافسة سياسية حقيقية، ثم قاد لاحقاً انقساماً في الحزب الأم ودفع بالمعارضة إلى السلطة لوقت وجيز في مطلع التسعينيات· وفي الخريف الماضي طرح ''أوزاوا'' على مائدة العشاء جمعتني به ما بدا وكأنه خطة جريئة لاستعادة السلطة من خلال أولا الفوز في الانتخابات المحلية، ثم ثانياً الانتصار على الحزب ''الليبرالي الديمقراطي'' في مجلس المستشارين، وهو ما سيقود بدوره إلى حل مجلس النواب والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة· ويتطلع ''أوزاوا'' إلى إحداث انقسام آخر داخل هذا الحزب ''المحافظ'' عبر استقطاب شريكه في الائتلاف، حزب ''كوميتو''، كجزء من استراتيجيته لإعادة ترتيب الحياة السياسة في اليابان·


مدير مساعد للأبحاث في "مركز شورينشتاين" للشؤون الآسيوية التابع لجامعة "ستانفورد الأميركية"
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا