الاتحاد

ثقافة

عبدالرحمن المعيني يغرق اللوحة بفن ما قبل التاريخ

من أعماله

من أعماله

اللون المشبع بالأحمر والأصفر وغيرهما من ألوان تهيج المشاهد لتتبع شكلي المثلث والمربع لدى لوحات عبدالرحمن المعيني، هو مدرك حقيقة تلك الأشكال الصارخة لذلك جعلها تتحرك عبر عين المشاهد لترسم خطا ضمن مجموعة خطوط مملوءة حتى التشبع بالمنبهات؛ ينظر عبدالرحمن المعيني الى تلك اللوحات بأنها ملصقات إعلامية تنشر ذاكرته على هيئة نبضات، لذلك هو قد يعيد صناعتها من خلال المحو وإعادة البناء، كأنه يختبر مصداقية تلك الذاكرة، قد يظن المشاهد بأن عبدالرحمن المعيني يسقي لوحاته جرعات من الماضي وإن تحدث بلون أهل الجبال فهو ينظر ويتنبأ بالمستقبل·

لم يخلع أثواب تلك الأشكال المرسومة لكي يمارس عليها الطلاسم بل جعلها تستتر خلف الضوء، تجده يحرك ذراعية ورأسه أثناء الرسم كأنه يسمع الزار ليستحضر ويحس بالمس، تجده يبعد الصمت عن شفتيه لكي يعيش لحظة داخل تلك الأشكال، بحر عبدالرحمن المعيني عميق في أفكاره، قوي في مفرداته·

اللون الأحمر هو لون الراحة البصرية يجذب الطمأنينة للنفس ولكنه يكسر تلك المشاهد عبر اللون الأحمر الصارخ، كأنها لحظات هدوء تتبعها نوبات صرع تعتري عبدالرحمن المعيني، يذكر الكاتب والفنان حسن شريف في إحدى مقالاته عن عمل عبدالرحمن المعيني '' لوحات عبدالرحمن المعيني عبارة عن حقول من الإشارات البصرية مرسومة بدقة محكمة السد، ربما تتعلق بالكيمياء القديمة، كهنوتي، شكل من أشكال الكتابه القديمة ''هيريتك Hieratic'' أو ''سحري'' Hermetic إنها نزوة ناتجة من نظام ذاتاني خاص قديم جداً ومعاصر، ربما مصدرها قيعان اللاوعي، أو هي عبارة عن رموز واشكال وألوان وعلامات باقية في ذاكرة عبدالرحمن منذ الطفولة وهي محفورة في أعماق معرفته، أو ربما هذه الأشكال مستوحاة من الحياة السريعة للمدينة المعاصرة بضجيجها ليلا ونهاراً مثل الإعلانات الكبيرة والمتحركة في شوارع المدينة المزدحمة او في الأسواق والمحال التجارية، أو ربما هذه الرموز هي نتاج مشاهد سينمائية أو تلفزيونية او إعلانات تجارية في الصحف اليومية التي تأتينا من جميع الجهات من العالم وبسرعة مفرطة جدا؛ الهدف من لوحات عبدالرحمن ليس هو البحث عن المصدر الذي أخذت منه هذه الرموز وإنما الهدف من هذه الأعمال هو أن نشاهدها ونقنع أنفسنا بأن هذا الشكل مثلث وملون بلون أحمر، والآخر عبارة عن شكل مربع وملون بلون أزرق فقط لاغير وكلّ مافعل عبدالرحمن هو انه جعل هذه العناصر ملموسة بصرياً من خلال وضعها في سياق (فن التصوير)·
يقوم عبدالرحمن باختصار عناصر من الحياة إلى رموز بسيطة ويرسمها جنباً إلى جنب الآخر بطريقة موسوسة ومضطربة، تكبر هذه الأشكال يمبناً، يساراً، فوق، تحت ملونه بألوان عديدة باردة، دافئة، باهتة، مشعة، تتداخل هذه الرموز والألوان لتعطي في النهاية نسيجاً بصرياً موسيقياً، ارتجالياً يتحرك على سطح اللوحة بسرعة فائقة ؛ إنه نتاج موجة من الهياج تنتقل عبر الأنسجة الذهنية والبصرية وعبر الأعصاب والعضلات وينشأ عنها نشاط فسيولوجي ويتحول إلى عناصر ملموسة لإثارة مواضيع ملهمة، والتدحرج المستمر والافتتان بالجديد·''
تلك الأشكال ببساطتها لها تأثير شديد في بصيرة المشاهد، وقد تلامس قصصا ووقائع حدثت في الماضي ولكن رويت بفن القصة المعاصرة، تلك الرموز يصعب تفكيكها لذلك يفتح المشاهد عينيه لكي يبعثها لمخاريط اسطوانية داخل الجسد الأثيري فيجدد الطاقة الكامنة بشكل لاإرادي ·

يجب عدم تفسير تلك الألوان والأشكال المرصوصة بجانب بعضها لأنها تقودنا للجنون بل نترك العمق ونتذوق سطح اللوحة، ونترك العنان لأذاننا كي تسمع الطبول وهي تقرع والأصوات ذات الشدة القوية والخافتة وهي تزجر، ونمد ذراعينا كي يتخلل الهواء أجسادنا المنهكة والغارقة في بحر التكنولوجيا ·

عالم تلك اللوحات يشبه الأبيرون أي لا بداية له ولا نهاية، ينزع عن الوجوه ثوب الصمت لتبزغ الثورة العارمة في دواخلنا·

هناك ثلاثة عناصر تتبادل تلك النزعة الداخلية: المشاهد، اللوحة، عبدالحمن المعيني فتجد النتيجة مركبا كيميائيا يصعب تصنيفه، فالفن الذي نرمي إليه هنا فن نظري وليس تطبيقيا أي هناك مجموعة من الأفكار المتضاربة والمتنازعة بين الشكل والخط والمضمون· تلمس الجانب الفني في اللوحة فهو لم يجعل الفكرة ضمن عناصر خالية من إيقاع اللون ولم يعتمد على المضمون فقط ويترك الشكل بل وضع تلك العناصر وسط عاصفة فن التهجين والتجديد·

اقرأ أيضا

لقاء تعريفي بجائزة «راشد الشرقي» للإبداع