صحيفة الاتحاد

ثقافة

موت موظف بعد ثلاث عطسات في "نهار ساخن"

عبدالله راشد في مشهد من المسرحية

عبدالله راشد في مشهد من المسرحية

نص مسرحي يبدأ من الشخصية في الصالة حيث الجمهور وينتهي بذات الشخصية وهي تقاد الى الصالة ثانية بعد موته·· ذلك هو نص ''نهار ساخن'' لفرقة مسرح دبا الفجيرة من إعداد عواطف نعيم عن مسرحية ''موت موظف'' لانطوان تشيخوف الكاتب الروسي الذي يعد أهم المبدعين في كتابة القصة والدراما ومن اخراج خليفة التخلوفة الذي عرض أمس الأول في المجمع الثقافي بأبوظبي ضمن الموسم المسرح 2007 الذي تقيمه جمعية المسرحيين والذي تستضيفه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث· لقد برع الممثل عبدالله راشد الذي قام بدور المصور وعبدالله مسعود الذي قام بدور المسؤول وعبدالله اليماحي الذي اشترك بدور الحارس في تجسيد ملامح النص الذي ارادت عواطف نعيم ان تطرح من خلاله هموما وآلاما مجتمعية كثيرة متجسدة في شخصية المصور الذي كان يستعد لالتقاط صورة لمسؤول كبير إلا ان هذا المصور ''يعطس'' فجأة في وجه المسؤول فيشعر بأنه أتى عملا سوف يغضب المسؤول وهو بلاشك بحسب رؤيا المصور عمل شنيع لذا كان عليه ان يقدم اعتذاره كي يكفر عن الخطأ الذي وقع فيه بشكل لا إرادي وما كان إلا ان يعيد التصوير وبعد كل الجهد الذي بذل في الاعتذار نراه ''يعطس ثانية'' فيشتد غضب حراس المسؤول ويختفي صاحبهم فتعاد الكرة للمرة الثالثة ويبتكر الموظف (المصور) كل سبل التوسلات والتضرعات كي يقدمها الى هذا المسؤول الذي يعطف اخيرا عليه ويقبل ان يصوره لمرة ثالثة وعند لحظة التصوير ''يعطس ثالثة'' غير ان هذه العطسة الاخيرة تودي بحياته نهائيا فيموت عند أقدام المسؤول· ولنحاول ان نتتبع خطى النص·· النص هنا يبتدئ من الجمهور / الصالة وكأن خليفة التخلوفة مخرج يفترض ان المصور هو النموذج المنتقى الذي يخرج من بين الناس، أي ان هناك من يشبهه الكثيرين في عالمنا، بل الجمهور كل والموظف (المصور) هو الجزء من هذا الكل الذي يعبر عنه؛ يصعد المصور الى الخشبة التي تحتوي على جدران خمسة·· وهناك حرس ومسؤول وضمير مختف خلف الكواليس، والمسرح بسيط غير معقد، له مداليل متعددة أي ان الديكور يمكن ان يتحول الى رموز عدة ولكن هذه الجدران كان المفترض ان تبقى بيد الحرس الذين يخلقون منها دلالات مختلفة وكأنها صورة للاغلاق والحجب وانسداد الأفق على شخصية المصور كي تزداد أزمته الذاتية التي هي أزمة ضمير انساني معذب وضع في موقف لا يحسد عليه·على مستوى التمثيل كان عبدالله راشد قد بذل جهدا استثنائيا مادام النص مركبا على شخصية واحدة قام بدورها كاملة (ميلودراما) وهذا هو ايقاع هكذا فن، حيث تحول الرجال الحرس الى صورة مكملة للديكور·· رجال ببذلات رسمية يلبسون نظارات سوداء، هي صورة رمزية للقسوة والظلامية، هل نجد طرحا جديدا؟ تقنيا عندما يروي المصور بعد العطسة الأولى حكاية مأساته تلك يقع على أرضية المسرح وقد أفادت ملفوظاته انه بدأ يعاني من ألم في قلبه هنا يتحول المشهد الى ''ارصاد'' متوقع سوف يأتي وهذا ما حصل فعلا بموته المفاجئ بسبب توقف قلبه عند اقدام المسؤول بعد العطسة الثالثة، أي ان النص هنا يكشف عن النهاية منذ العطسة الأولى· لنفترض ان حركة الجدران لها دلالات·· خرج النص من الأزمة الذاتية للمصور الى الأزمات السياسية في الوطن العربي (لبنان - فلسطين - العراق) واستغرق في ذلك فترة طويلة من منولوجات ملفوظة للمصور وبهذا البناء حاول كل من عواطف نعيم والتخلوفة ان يشدا المتلقي الى أزمات جانبية، بتقديرنا انها اخرجت النص من رؤياه الانسانية للذات المعذبة· القضية الأساسية التي نناقشها باقتضاب هي ان العرض وملفوظات المصور كانت طويلة وذات جهد وكان المفروض ان يستطيل الاستعداد لأخذ الصورة الأولى والثانية والثالثة حتى يبقى المتلقي / الجمهور مشدودا لما سيحصل اما اقتضابها بهذا الشكل فقد ضيع دهشتها، فالتمهيد للحظة العطسة الثانية والثالثة ضرورة لإثارة المتلقي، انها مهملة في العرض·
لم نسمع سوى (OK) و(فنش) و(انتهينا) و(كف عني) حتى يصبح المصور زاحفا·· انه جهد استثنائي يحسب لعبدالله راشد باتقانه الواضح وبراعته الأخاذة·