الاتحاد

الاقتصادي

المجتمع البشري ومجتمع السيارات

حكمة رائعة تلك التي نطق بها أحد الغيورين على البيئة عندما أطلق مصطلح ''مجتمع السيارات'' على مئات الملايين منها التي تحتل شوارع العالم· وفضّل هذا الخبير أيضاً إطلاق حكمة أخرى، عندما أشار إلى أن ''المجتمع البشري'' أصبح يشكّل أقلية عددية بالنسبة لمجتمع السيارات· وهذا يجعل الإنسان في كل مكان مجبراً على التصرف بحسب حاجات ومتطلبات مجتمع ''الأكثرية''، ومن ذلك ما نشعر به الآن عندما نتحرك في الشوارع وحيث تتحكم حركة السيارات في سلوكنا كله، ويكون علينا أثناء ذلك احترام سلسلة طويلة من التعليمات والإشارات التي تهدف بشكل عام لتقييد حركتنا مقابل تسهيل حركة السيارات·
وفي كل يوم، تستقبل الشوارع والطرق في العالم أجمع أكثر من مليون سيارة جديدة لتضاف إلى ''المجتمع الفولاذي''، وهذا المعدل في النمو يفوق معدل النمو البشري ذاته· وقد يوحي التضخم الهائل في أعداد السيارات بضرورة ''تحديد نسلها''، مثلما يُحدد التناسل البشري في بعض بلدان العالم التي تعاني ظاهرة التكدّس العددي لسكانها· وتوضح الإحصائيات أنه لو استمرت المصانع في إنتاج السيارات وفق المعدل الراهن، فإن المشكلة ستتفاقم أكثر وأكثر وسوف يصبح التحكم في هذه الظاهرة أمراً بالغ التعقيد·
وربما تكون مشكلة التغير البيئي من أكبر تداعيات النمو الهائل لمجتمع السيارات· ويمكن لمقارنة بسيطة أن توضح هذا الخطر بدقة، فالإنسان البالغ يطلق في عملية التنفس كل يوم ما يقرب من كيلوجرام واحد من غاز ثاني أوكسيد الكربون الضار بالبيئة، بينما تطلق سيارة عادية أكثر من ستة كيلوجرامات من هذا الغاز يومياً لو سارت بمعدل 20 كيلومتراً كل يوم·
ولهذه الأسباب، وبضغط كبير من جمعيات حماية البيئة، تستعد المصانع الأوروبية والأميركية للبدء بتطبيق القوانين الصارمة التي تجبرها على صناعة السيارات ذات الفعالية العالية في استهلاك الوقود، بحيث لا تطلق إلا أقل الكميات الممكنة من غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يكاد يخنق الأرض، وهي القوانين التي سيبدأ العمل بها مع بداية العام المقبل·

المحرر
adnanod@maktoob.com

اقرأ أيضا

"الفجيرة البترولية".. منارة للطاقة على طريق الحرير الجديد