الاتحاد

تقارير

أفق كاذب: التقارب الأميركي - الروسي

أفق كاذب: التقارب الأميركي - الروسي

أفق كاذب: التقارب الأميركي - الروسي

خلال قمة مجموعة العشرين التي احتضنتها لندن الخميس الماضي، التقى الرئيس الأميركي أوباما مع نظيره الروسي ميدفيديف لأول مرة، بينما يقتسم الرجلان عبء تحسين العلاقات المتوترة بين بلديهما· وقد اتفق الرئيسان على إطلاق المفاوضات حول ''اتفاقية خفض الأسلحة الاستراتيجية'' المعروفة اختصاراً بـ''ستارت''، وإعادة بحث انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية· كما ينتظر أن يتدارسا التعاون بشأن إيران وأفغانستان، لكنهما اتفقا على ألا يتفقا حول الدفاع الصاروخي الباليستي· وقد أعلن أوباما أنه سيزور روسيا في يوليو المقبل··· وكل تلك مؤشرات إيجابية في ما يبدو·
العديد من الأوروبيين، وبخاصة الألمان، ابتهجوا كثيراً للصور التي جمعت أوباما وميدفيديف التي ميزت الحدث، غير أن أكثر ما كان مثاراً للتحمس والابتهاج، هو ما يبدو أنه أفق بداية عهد جديد للعلاقات المنسجمة بين الدولتين· لكن كثيرين بالمقابل اعتبروا أن ذلك مشهد قديم متكرر؛ ففي عقد السبعينيات مثلا، كانت المحادثات حول الأسلحة الاستراتيجية بين الزعيم السوفييتي بريجنيف والولايات المتحدة الخارجة لتوها من المستنقع الفيتنامي، جزءاً من فترة الانفراج و''التعايش السلمي''، لكنها سرعان ما انتهت مع دخول الدبابات السوفييتية إلى أفغانستان عام ·1979 ولم تفلح كل تطلعات كارتر للسلام والدبلوماسية المكوكية في جبر وإصلاح الأحلام المكسورة·
بعد ثلاثين عاماً على ذلك، أصدر مركز نيكسون ومركز بيلفر التابعان لجامعة هارفرد تقريراً حــاول تبني نبرة متفائلـــة حول التقارب الأميركي الروسي· ومن المهم هنا أن نتذكر أن الأمر لا يتعلق بنظام بريجنيف المسن في السبعينيات، ولا بالاتحاد السوفييتي أثناء انهياره في عهد جورباتشوف أواخر الثمانينيات··· بل بقيادة روسيا الحالية الأكثر فتوة وصرامة، والمعادية بشكل متزايد للولايات المتحدة، والمستمرة في تحدي سيادة جيرانها بشراسة، روسيا الحالية التي تطعن في سيادة دول كانت تابعة لها في يوم من الأيام من خلال معارضة دفاع صاروخي باليستي في بولندا وجمهورية التشيك، وتعترض على انضمام جورجيا وأوكرانيـــا إلـــى ''الناتــــو''، وتريـــد تحييـــد أو تفكيك حلف الأطلسي والنظام الاقتصادي لما بعد اتفاقية بريتون وودز·
وعليه، فإن دعوات موسكو لهندسة أمنية جديدة في القارة الأوروبية، ينبغي أن تستوقف أوباما وتدفعه إلى التفكير مليا، وذلك لأن من شأن الاقتراح الروسي أن يلغي ''الناتو'' ويضعف اختصاص منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في ما يتعلق بحقوق الإنسان، إذ تقترح موسكو نشر القوات المسلحة الوطنية على ''محيط مشترك'' و''منطقةً منزوعة السلاح'' داخل ذلك المحيط· وبالتالي، فالمخطط هو محاولة واضحة ومكشوفة للحد من تأثير أميركا ونفوذها· وعلاوة على ذلك، فإن حكام روسيا مهووسون على ما يبدو بـ''التعددية القطبية'' حيث يريدون نظاماً عالمياً تشكل فيها روسيا والصين وإيران وسوريا وفنزويلا وزناً مضاداً للولايات المتحدة، وهذه أجندة عالمية كبيرة تتعارض مع المصالح الأميركية·
إن رغبة واشنطن و''الناتو'' في التعاون مع موسكو أمر يمكن تفهمه بالنظر إلى الأزمة المتواصلة في أفغانستان وبرنامجي إيران النووي والصاروخي، غير أنه بعد إعلان رئيس قرغيزستان إغلاق القاعدة العسكرية الأميركية في بلاده، عرضت موسكو على الولايات المتحدة استعمال طائرات الشحن الروسية ومجالها الجوي لتموين قواتها في أفغانستان، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه باسم ''قواعد توني سوبرانو'' (زعيم المافيا في سلسلة ''ذا سوبرانوز'') الجيوسياسية: ''استعمل معداتي وشاحناتي، وإلا فلا يمكن أن تشتغل في حيي''·
في هذه الأثناء، مازال الكريملين يدعو، مثلما دأب على ذلك منذ قمة سانت بيترسبورج الاقتصادية عام ،2007 إلى إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي؛ فقبل بضعة أيام من قمة مجموعة العشرين، اقترحت روسيا إنشاء عملة احتياط عالمية لتحل محل الدولار·
وإذا كانت ثمة مسائل اقتصادية وأمنية كثيرة تشغل بال الزعيمين، فإن حكم القانون ينبغي أن يحتل مكانة بــارزة على الأجندة خلال الاجتماع المقبل، وذلــــك لأن نظامـــاً قانونياً صحياً أساسي وضروري من أجل حماية حقـــوق المستثمرين الداخليين والأجانب وتيسير تطور المجتمع المدني وحقوق الإنسان·
والأهم هو ضرورة أن تظل إدارة أوباما واقعية في تعاملها مع موسكو، إذ يتعين عليها أن تبقي أعينها مفتوحة، وتبحث عقلية صناع سياستها الخارجية ونخبها الأمنية، وتنتبه لجهودها الرامية إلى إضعاف ما تعتبره هندسة اقتصادية وأمنية دولية تقودها الولايات المتحدة· والسرعة أمر غير مستحب على اعتبار أن إدارة أوباما لم تقم بعد بتقييم شامل للعلاقات الأميركية الروسية، ولم تحدد أهدافها في روسيا وأوراسيا، كما أنها لم تكمل بعد تعيينات المسؤولين الرئيسيين·
وبموازاة مع المحادثات حول ''ستارت''، على الولايات المتحدة أن تقترح آلية للتشاور المنتظم بين الحلفاء بشأن روسيا، كما يتعين عليها أيضـــاً أن تشجع حلفاء أميركا الأوروبيين على تقليل الاعتماد على الغاز الروسي وعلى تنويع مصادر الطاقة في بلدانهم· كما ينبغي أن تبقي على مخططات الدفاع الصاروخي الأوروبية رغم الانتكاسة الأخيرة في جمهورية التشيك، وأن تدعم الوحدة الترابية لأوكرانيا وجورجيا خلال محادثاتها مع روسيا·
ثم على واشنطن ألا تتفاوض حول استقلال وسيادة بلدان منطقة أوراسيا، وألا تقلل من شأن بواعث القلق حول حقوق الإنسان وحكم القانون في روسيا، وألا تسمح لموسكو بإعادة كتابة الخريطة الجيوسياسية لأوروبا مع ''المفهوم الأمني الأوروبي'' الجديد، وإلا فلترضَ بهندسة اقتصادية عالمية جديدة· لكن هذا ليس وقت السذاجة!

أرييل كوهين
زميل متخصص في دراسات روسيا وأوراسيا وأمن الطاقة في مؤسسة هريتدج
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا