الاتحاد

ثقافة

ذكريات نازك الملائكة 2

كانت سنة 1968 هي السنة التي يرتبط بها المشهد الثاني من ذكريات نازك الملائكة التي لا تزال مكانتها في وجداني تنطوي على قيمة كبيرة، وضعتها في مكانة لا يجاورها فيها إلا أقل القليل من الأعلام الكبار الذين عرفتهم معرفة مباشرة· أذكر جيداً أنني كنت جالساً أطالع كتاباً، وأنا أستمع إلى موسيقى هادئة من المذياع، لكنني على نحو غير إرادي مددت أصابعي، وأدرت زرّ المحطات، ربما لأسمع موسيقى أخرى أرق، إلى أن سمعت صوت مذيع ينطق باسم نازك الملائكة مرحّباً بها في القاهرة، وتجيبه بصوتها الذي لا أزال أذكره من اللقاء الأول، وسألها مقدم البرنامج (وكان عن عالم الشعر، أيام أن كانت هناك برامج للشعر في الإذاعة المصرية التي أصابها ما أصاب غيرها) عن آخر دواوينها التي نشرتها، فأجابته بأنها أصدرت، أخيراً، ديوان ''شجرة القمر''· وسألها مقدم البرنامج عن سر هذا العنوان الجميل، ولكنه طلب منها قبل أن تخبر المستمعين بالسر أن تقرأ لهم بعض قصائد الديوان، فأجابته باختيار القصيدة الأولى، وهي ''شجرة القمر''، وتدفق صوتها الرائق الواثق في نبرة رقيقة، لا تعرف اللحن أو الخطأ اللغوي أو التلعثم، بل الاندفاع الواثق الهادئ كخرير الماء الذي تسمعه الأذن كأنه أنامل تمر على أوتار، وأخذ صوتها يعلو تدريجياً كأنه لحن موسيقى تتصاعد نغماته المتضافرة لتصافح السمع بصوت شجي يقول :
على قمة من جبال الشمال كَسَاها الصنوبر
وغلَّفها أفق مخملي وجوّ معنبر وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي الَمسَاءْ
وعند ينابيعه تستحم نجوم السَّمَاءْ
هنالك كان يعيش غُلامٌ بعيد الخيالْ
إذا جاع يأكلُ ضوء النجوم ولون الجبالْ
ويشرب عطر الصنوبر والياسمين الخضلْ
ويملا أفكاره من شذى الزنبق المنفعل وكان غلاماً غريبا غامض الذكرياتْ
وكان يطار عطر الرُّبى وصدى الأغنيات
وكانت خلاصة أحلامه أن يصيد القَمرْ
ويودعه قفصاً من ندًى وشذًى وزهرْ
وانجرفت مع الأبيات، مبحراً معها في أفقها الغسقي، كأني على شراع ملاّح يطوف بي عوالم لا أعرفها، ولكنها تفتنني، وتخايلني بالمضي في الطريق الذي يفضي إليها، مغوية بندائها السري الذي يدعو إلى الكشف عن عوالم تظل في حاجة إلى الكشف· وظلت نبرات صوت نازك تتدفق، حاملة روحي، أو عائدة بها إلى دنيا الطفل البريء الذي كنت لا أزال أنطوي عليه، رغم رطان الأحاديث الإيديولوية التي كنت ألوكها في ذلك الزمان البعيد، خصوصا بعد هزيمة 1967 التي ألقت بنا في جحيم الغرابة، نتقلب ما بين نيران إلقاء اللوم على ذواتنا أو اتهامات الآخرين بالخيانة· كل ذلك ضاع في لحظة، وتسرّب كالماء المرّ في رمال وردية ناعمة، استبدلت به براعم وزنابق وربى وشذى وزهرا، وتوحّدت مع هذا الفتى الذي يريد أن يصيد القمر، ولكن ليضعه بين ما يشبه ضلوعه، كأنه يريد أن يستأثر به لنفسه، في نوع من الأنانية الطفولية التي مارسناها في سنوات البراءة، ونسيت الناقد الكامن في داخلي الذي كان قد تجاوز الرومانسية، وانتقل منها إلى ما بعدها، لكن صوت نازك عذب القراءة عمل عمله بي، وحلّق بي على أجنحة الخيال الذي يقلب السمع بصرا، إلى مراقبة صبر هذا الفتى في المساء، وهو يحوك الشباك، راقداً على عشب بارد عند نبع مغمغم، ويسهر خيالي مع الفتى وهو يرمق وادي المساء ووجه القمر، وقد عكسته مياه غدير باردا عطرا، وما كان هذا الفتى يخلد إلى النوم إلا إذا مدّ الضياء الرقيق للقمر أصابعه الحانية، مقدماً له كأسا، شرابها لذيذ، دافعاً إلى النوم الذي تحوطه أحلام سكريّة الشذى ·
ولا يمل الغلام الذي يظل منطوياً على حلمه في أن يصيد القمر إلى أن جاء اليوم الموعود، فتسلل إلى حيث يستلقي القمر، وطوّقه كالعاشق الذي استجاب إليه المعشوق، آمنا مطمئناً، فحمله إلى كوخه، واضعاً إياه في أعز مكان· وأفاق الليل فلم يجد أنيسه، وبحث جميع البشر عن مصدر سلواهم الحنون كلما طلبوا حمايته في الليل الموحش من سحائب الخوف، وزاد جنون عشاق القمر الذين لم يتوقفوا عن البحث، بينما الفتى غارق في نشوة الفرحة بالوحدة مع واحده الأحد الذي ظل يرعى لهفته إليه، إلى أن جاء موعد الفراق، فاستيقظ الفتى من أحلامه ليجد القمر غادر الكوخ، وتطلّع الفتى كالملهوف في كل مكان، فلم يجد سوى شجرة نفث فيها القمر من روحه ما أضاء أغصانها وجذعها، وأرضعها ضوءه المختفي في التراب العطر، فوجد الفتى بديلا من القمر في شجرته التي كانت واجهة كوخه، كأنها تحرسه وتكلؤه بحنانها، ومرت العصور بعدها، وتحولت حياة الغلام غريب الرؤى، الشاعر عبقري الجنون، إلى حكاية يتوارثها الجميع، خصوصاً حين يتطلعون إلى الشجرة التي جعلها القمر بديلا منه في الأرض، بينما مضى هو في مداره الفضي عبر السماء التي نثر فيها زهوره - النجوم، وتعاقبت العصور، وتحول الفتى وحكايته إلى رؤيا تسرّب إليها الزمان شيئاً فشيئاً، تماما ؟كما يتسرب ضوء النهار فيمحو ضوء لليل الحاني، ويستبدل برقة القمر قسوة الشمس النهارية الحارقة ·
أذكر أننى أعددت بعد ذلك بسنوات دراسة نقدية مطولة عن رمزية الليل في شعر نازك الملائكة، واستعنت بمعارفي في الأساطير ونظريات النقد الأدبي لتفسير هذه القصيدة التي عالجتها بالتشريح والتحليل الدقيق، فكانت كضوء الشمس النهارية التي اقتحمت هدأة الليل والحلم الرومانسي الأسطوري الذي تجسّد في شجرة القمر، وأحسب أن ما كتبته قد أعجب بعض قراء هذه الدراسة· ولكن، ها أنا، الآن، وبعد أن اشتعل رأسي شيباً، وأصبح بعضه أقرب إلى الأغصان المتدلاة من شجرة القمر، أعود إلى خيالي القديم الذي أوقده صوت نازك الجميل، وهو يحملني إلى عوالم لا أزال أنطوي عليها، وأرجو ألا تفارقني ولا تفارقك، أيها القارئ، يا شبيهي في حلم الطفولة الذي ننطوي عليه جميعا·

اقرأ أيضا

سارة العقروبي: إن لم نسأل نقع في شراك الإبداع المحدود