الاتحاد

ثقافة

"اللوال".. ثنائية العقل والجنون في حكاية شعبية

سعيد بتيجة في مشهد من المسرحية

سعيد بتيجة في مشهد من المسرحية

بعيداً عن الحكاية وتجلياتها الاسطورية وارتكازها على موروثات محلية وشعبية متداولة فإن الدخول الى العرض المسرحي من فعل الصنعة ''الديكور المحكم'' والأداء يفترض بنا ان نصف العمل المسرحي الذي قدم مساء أمس الأول على خشبة مسرح المجمع الثقافي في أبوظبي ضمن الموسم المسرحي 2007 الذي تنظمة جمعية المسرحيين بأنه احكم الصنعة منذ اللحظات الأولى التي تنكشف فيها كل الأجزاء بعد ازاحة الستارة عن عرض ''اللوال'' للمخرج محمد العامري وتأليف اسماعيل عبدالله لفرقة مسرح الشارقة الوطني·
فضاء المسرح باكسسواراته البسيطة وارضيته الرملية التي تحيلنا الى شاطئ البحر رمزا وحبال الصيد المنشورة ومصاطب البيوت الموزعة على الأركان ومحفة النوخذة التي تمثل سلطة قاسية على مجتمع يؤمن بالاسطورة كل هذا يأخذنا مباشرة الى عالم مرسوم بدقة واتقان واضحين ذلك ما ترمز اليه مسرحية ''اللوال'' (العودة من البحر أو الردة) كما يصطلح عليها·
لقد برع اسماعيل عبدالله في توصيل شيفرات الحكاية ولملمتها في مشاهد قليلة وعبر عن معناها وقصديتها كذلك فعل محمد العامري في الاخراج المسرحي، حيث كان تعامله صحيحا مع كل المعطيات الواقعية والايمائية الساحرة لذا فإنه اشتغل على الحكاية صمتا وحركة·
ينفتح المسرح على دائرة من الضوء في وسطه ثم ينغلق على سواد وعتمة ثم ينفتح ثانية على دائرة اخرى من الضوء عند طرف المسرح الايسر ثم ينغلق لينفتح ثالثة على دائرة ثالثة من الضوء عند طرفه الايمن ثم يعود في الحركة الرابعة الى المركز وفي هذه الحركات الثلاث الصامتة يستجمع محمد العامري الحكاية بمجملها·· ملخصها ان هناك قرية يتحكم فيها ''النوخذة'' (قام بدوره محمد اسماعيل) والذي يراوده حلم بأن كنزا هائلا يقبع في البحر وهو لا يدري ان النهام ( قام بدوره سعيد بتيجة) الفنان الرائع الذي تألق بكل حركة ايمائية موحية قد مات ولم تبق سوى امه واخيه المجنون والذي يمتلك صوتا لابد وانه موروث للعائلة تحديدا·
غناء كورالي عالٍ بأنين ووجع انساني ثم تصدح زغاريد مخلوطة بحركة حزينة من طرف المسرح الايسر البعيد، غناء موروثي يثير الشجن·· هي لحظة جلب النهام الذي مات في البحر·· وتقول امه ''الممثلة اشواق'' ''داخلة على الله وعليكم لا تودونه وتخلوني وحيدة'' ولكن لماذا هي وحيدة مادام قد تبقى لها ابن آخر·· نعم انها تعي وحدتها كون ابنها المتبقي قد اصيب بـ''الجنون''·· يدخل الابن المجنون ليبكي خوفا من البحر الذي يأكل الناس وهو يردد ''الكطوة صاحت بالبير، ضربها واحد خنزير''، انه المجنون الذي يقبع في داخله عقل صائب مخالف للجميع تقول الام ضمن مسرتها مع ابنها المجنون وهو يطلب منها ان ''تهاويه'' حيث يتزامن ذلك مع حركة الجوقة التي تقرع الطبول ''النهام حسه عالي عيونه في السماء ورأسه فوق''·
في مشهد كان ثمة مريض يعبّق بالبخور الذي يطرد الشرور بعد ان يهدأ الغناء الممزوج بالاصوات الجماعية بوصفها موروثا شعبيا ثم يظلم المسرح·
انه حلم يراود النوخذة، كونه ممسوسا بكنز لابد ان يجده لذا فلابد ان يستعين بالنواخذة الصغار وبأهل القرية وبـ''الملا'' ''مثل دوره ناجي خميس'' كي يقنع الناس أن يرهنوا بيوتهم أو يبيعوها كي يوفر ثمن السفينة التي ستذهب للبحث عن الكنز· ولأن ''الملا'' يمتلك سلطة الكلام والاقناع والروح فلابد للنوخذة الكبير ان يتواطأ معه حيث يقول ''الملا'' ولكن كيف تحتمل مثل هذا الحلم الكبير·· ويكمل 4 سنين والنوخذة ''طاح'' في الفراش بفعل هذا الحلم، انه مشهد لخص كل الحكاية عندما يسخر (الملا) لحلم مجنون جاء به النوخذة·
يذهب (الملا) الى الناس، يأتي صوت النهام ''الابن المجنون ''سعيد بتيجة'' ليقول ''والذيب راعيها'' هنا تتقابل الثنائيات الغناء / النهام والكلام / الملا· كلاهما يرد على معنى الآخر الحقيقة / الخيال أو الحلم ليقول ''الملا'' مسكتا النهام ''من شذّ شذّ في النار'' ويبدأ الغناء حول ''الغراب'' بـ''يامال'' وكلاهما تعبير عن الحكاية بمجملها· هو غراب سليمان و''يامال'' هو البحث اللامجدي عن حلم مفقود أو مجنون· الغناء يصبح تعبيرا عن الحكاية والعذابات معا·· وسط فرح النهام المجنون واصدقائه بالرقص والتصفيق ودق الطبول يدخل ''الملا'' ليحتج بأن على الناس ان تدخل في شراكة مع النوخذة الكبير ولأنه ''الملا'' الذي يقرأ الصدق الغائب فكان عليهم ان يرهنوا بيوتهم ليسهموا في انجاح مشروع النوخذة الكبير الذي هو في امس الحاجة ليحققوا حلمه الا انه سيأخذ الثلثين من الكنز والنواخذة الآخرون سيأخذون الثلث·· أما الناس فسوف تأخذ ربعا ان صدق النوخذة·
ويبتدع ''الملا'' الحكاية: هو كنز سليمان الذي اراد ان يهديه لبلقيس ملكة سبأ إلا ان مبعوثه اضاعه في البحر·· غير ان النوخذة بعد ان يوافق الجميع تواجهه معضلة حقيقية وهي ان النهام قد مات ولم يبق سوى اخيه المجنون وليس هناك نهام غيره·· هنا يتحول الغناء الى قوة فلا يمكن ان تنطلق اي سفينة بدون نهام·· لذا لابد ان يؤتى بالنهام المجنون ''حروفه تحرق الفؤاد'' وتقف الأم ضد النوخذة لأن حلمه اخذ ابنها الأول فلتتركوا لي الثاني·· إلا ان المجنون الذي لا يحب البحر يقدم روايته عن البحر وكيف يلاعب ''عياله'' وينهش أي أحد يراه فهو لا يريد الذهاب اليه، انه لا يريد ان يصبح نهاما وهل اصبح صوته ضد واقعيته·· فهل اصبح النهام المجنون هو العاقل الوحيد والنوخذة الحكيم هو المجنون الذي يقود الناس الى الدمار، اذاً هو يرفض حلم النوخذة·
محمد العامري يقرأ القرية بمشهد الضوء المتنقل بين البيوت·· بقعة ضوء في اليسار واخرى في الوسط وثالثة عند بيت النهام المجنون فينطلق صوته الجميل·
يتعمد النهام بماء البحر وهو يقف بين اناءين ''سطلين من ماء البحر'' الماء المالح يسكب فوق رأسه قبل ان يلج البحر، بهذا استعاد العامري واسماعيل عبدالله جزئيات موروثية رائعة حقا فيستعد الجميع للرحيل ومعهم ''الملا'' والنهام المجنون الذي بدأ يكسر المحمل واسبوعان في البحر ولاشيء يبدو، فالمجنون هو العاقل الوحيد والعاقل الوحيد يقوده جنونه بالكنز الى الموت، انه بحث عن العقل المفقود في هذا النص الرائع ويموت النوخذة ويموت حلمه معه ويحتار الناس في احلامهم المشتتة فينزل السواد عليهم مع ستارة المسرح·
تلك هي حكاية اسماعيل عبدالله·· اما محمد العامري فقد برع ممثلا مع محمد اسماعيل وسعيد بتيجة واحمد عبدالرزاق وناجي خميس والدكتور محمد يوسف ومحمد فراشة واشواق وعائشة الزعابي وناجي عبيد في تجسيد كل هذا الفيض من الموروثات الغنائية والحكائية والاسطورية في عمل مسرحي أخاذ حقا·

اقرأ أيضا

قراءة في شروط تملّكها عربياً.. أشواك الحداثة