الاتحاد

تقارير

الطاقة النووية.. صعوبات أمنية وأعباء مالية

الطاقة النووية.. بديل للنفط مفعم بالمخاطر

الطاقة النووية.. بديل للنفط مفعم بالمخاطر

خلال الأسبوعين الماضيين، وقع الصينيون على صفقة مع شركة ''ويستنجهاوس'' تقضي ببناء أربع محطات للطاقة النووية، بينما انضمت مؤسسة أميركية أخرى إلى وكالة نووية فرنسية، تتولى إدارة 60 مفاعلاً نووياً، لبناء المزيد من المحطات النووية على امتداد الولايات المتحدة الأميركية بأسرها· وإلى ذلك فقد أوشك الروس من بناء ما يزيد على عشر محطات نووية عائمة فوق سطح المياه، مع الوعد ببيعها لعدد من الدول، بما فيها المغرب وناميبيا· وهناك مدافعان رئيسيان عن انتشار هذه الطاقة، هما الناشطون البيئيون والرئيس بوش، بالنظر إلى قناعة بوش بأن في الطاقة النووية المخرج الوحيد والممكن لوضع حد لاعتماد أميركا على واردات النفط الأجنبية، في حين يرى فيها البيئيون حلاً ممكناً لمشكلة التغير المناخي· وقد انضم إلى هؤلاء، جميع المرشحين الرئاسيين الحاليين، من كلا الحزبين، باستثناء المرشح ''الديمقراطي'' جون إدواردز· غير أن ما من أحد من هؤلاء، تحدث عن الكارثة النووية الأخيرة التي وقعت في اليابان على إثر هزة أرضية ضربت المنطقة التي كانت فيها تلك المحطة النووية·
والأكثر لفتاً للاهتمام في الحجج الواهمة التي يثيرها دعاة الطاقة النووية هؤلاء، هو الاستهانة التي يبدونها بالتكلفة المالية الضخمة لهذه الطاقة· ثم إنهم يعجزون عن تحديد كل المشكلات التي ينطوي عليها الاعتماد على الطاقة النووية، إلى جانب الرغبة المسبقة من جانبهم في تجاهل العجز التاريخي لهذه الطاقة عن الوفاء بوعودها، إضافة إلى التغاضي عن الأحداث المأساوية التي تكرر حدوثها في العديد من محطات الطاقة النووية ومفاعلاتها على النطاق العالمي·
فمنذ عقد التسعينيات ظلت الصناعات المعنية بإنتاج الطاقة النووية تحمل بارقة أمل للبشرية في الحصول على مصدر رخيص للطاقة لا يُقارن بالنفط، فضلاً عن ''نظافتها'' وإمكانية التخزين الآمن لمخلفاتها الخطيرة· غير أن الحقيقة أن الطاقة النووية ليست بالرخيصة البتة كما تعد، إضافة إلى كونها أشد خطراً من طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية وغيرهما من أشكال الطاقة المولدة صناعياً· وقد أظهرت آخر التجارب الفرنسية، أن تكلفة بناء محطة طاقة نووية واحدة، تصل إلى 3 مليارات دولار· وعلى رغم كثرة وعود الصناعات المستثمرة في هذه الطاقة بتطوير التكنولوجيا التي من شأنها خفض التكلفة الكبيرة هذه، فإن المجهود الوحيد الذي بذل فعلياً في هذا الاتجاه، هو مفاعل ''أتوماش'' الروسي، الذي انهار فعلياً ولم يكتمل بناؤه·
كما تلاحظ استهانة الصناعة نفسها بالتكلفة الكبيرة التي يتطلبها التشغيل الآمن للمحطات النووية، في وجه الخطر الإرهابي المحيط بها من كل جانب، أو حتى في مواجهة حوادث الانفجار العادية التي تكرر حدوثها في هذه المحطات· والحقيقة أن بناء أي مفاعل جديد، يتطلب الآن منطقة عازلة واسعة المساحة، إلى جانب مضاعفة التعزيزات الأمنية اللازمة له، وكذلك توظيف عدد كبير من قوات الأمن الخاصة، علاوة على نظم الأمن والسلامة الإلكترونية المستخدمة فيه· وعليه فإن السؤال الذي نثيره هنا: من الذي سيدفع كل هذه التكلفة··· وكيف؟ هذا وتتطلب المحافظة على السلامة العامة، أن تبنى المحطات النووية على مبعدة من مناطق التجمعات والكثافة السكانية، حيث يرتفع الطلب على الطاقة الكهربائية، ما يعني زيادة كبيرة في تكلفة الإمداد، وهو ما لا يعترف به المستثمرون في الطاقة النووية· وإذا كانت النظم والتشريعات النووية الخاصة ببناء هذه المحطات، تسمح فيما مضى ببنائها في مناطق قريبة من التجمعات السكنية، فقد أفلحت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي أثيرت ضدها لاحقاً، في الحيلولة دون موافقة واشنطن على طلب شركة ''إديسون المتحدة'' في عام ،1962 الخاص ببناء محطة ''كوينز'' النووية التي تقع على بعد ثلاثة أميال فحسب، من المقر العام للأمم المتحدة بمدينة نيويورك· غير أن واشنطن نفسها، وافقت لاحقاً على بناء وحدات نووية تقع على مسافة 50 ميلاً من كل من نيويورك وبوسطن وشيكاغو و''واشنطن· دي· سي''· وكما لاحظنا، فقد ارتفعت درجات الحرارة على نحو ملحوظ في ''نيوأورليانز''، قبل أن يضربها إعصار ''كاترينا''، وأن السلطات لم تتمكن من إخلاء سكانها جراء الكارثة التي تعرضت لها· وعند الأخذ في الاعتبار بتلك التجربة المؤلمة، فإن علينا أن نذكر أن الخطر النووي ربما لا يمنحنا مدة تزيد على 20 دقيقة فحسب، كي نستجيب له، ما يعني أنه لا سبيل لبناء المفاعلات النووية إلا في المناطق التي لا تكثر فيها الكثافة السكانية·
وبهذا نصل أخيراً إلى مناقشة مصير المخلفات النووية وغيرها من المواد الخطيرة الأخرى المستخدمة في توليد الطاقة· في هذا تشير الإحصاءات إلى تخزين نحو 70 ألف طن من المخلفات النووية مؤقتاً في أحواض المياه أو فوق سطح الأرض في خزانات أسمنتية مسلحة· غير أن الإحصاءات نفسها تشير إلى أن حوالي 150 مليون أميركي يعيشون على بعد 75 ميلاً فحسب من المخلفات النووية· فأي خطر أكبر من هذا؟

أستاذ التاريخ بجامعة كولبي وكاتب متخصص في شؤون الطاقة النووية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا