الاتحاد

تقارير

القطب الشمالي.. سباق عالمي جديد على الموارد

ثروات نفطية ضخمة تحت ثلوج القطب الشمالي

ثروات نفطية ضخمة تحت ثلوج القطب الشمالي

هل يدخل العالم سباقا جديدا على الموارد في المناطق البعيدة؟ فبينما أصبحت عملية استكشاف القطب الشمالي المتجمد ممكنة بفضل درجات الحرارة المرتفعة، تتجه أكبر بعثة علمية روسية ضخمة، وتحظى باهتمام رسمي بالغ، إلى استكشاف لأول مرة قاع البحر في القطب الشمالي· وستطلق البعثة الروسية خلال الأيام القليلة المقبلة غواصات صغيرة عبر ثقب أُحدث خصيصاً لإنجاز هذه المهمة في الجليد القطبي بهدف تمشيط أرضية المحيط على عمق يناهز ثلاثة أميال· وستقوم البعثة بجمع عينات من الصخور وتثبيت علم روسي ضخم يرمز إلى مطالب موسكو بضم 460 ألف ميل مربع من الأراضي التي مازالت تعتبر إلى حد الآن جزءا من المناطق الدولية· وتفوق تلك الأراضي في مساحتها كل من ألمانيا وفرنسا مجتمعتين ويعتقد بأنها تحتوي على ربع المخزون الدولي غير المكتشف من النفط والغاز الطبيعي· ولم تكن مسألة المطالبة بأراض في القطب الشمالي المتجمد ذات أهمية بالنسبة للدول، حيث كانت خاضعة للأبحاث الأكاديمية وبعيدة عن التجاذبات السياسية بسبب الجليد الذي يحيط بالمنطقة على مدار العام·
لكن مع ذوبان الكتل الجليدية بسبب الاحترار الأرضي عادت المسألة مرة أخرى إلى الواجهة· ويوضح هذا الأمر ''ألكسي ميلشينكو''، خبير في مركز ''كارنيجي'' بموسكو قائلاً ''إن السبب الأول وراء رجوع الموضوع إلى صدارة الاهتمام هو الاحترار الأرضي الذي جعل ممكناً فتح مناطق شاسعة من القطب الشمالي أمام الاستغلال الاقتصادي خلال العقود المقبلة''، مضيفاً أن ''السباق على القطب الشمالي بات شرساً''· وتقدر المسوحات الجيولوجية الأميركية أن حوالي 25% من المخزون العالمي غير المكتشف من النفط والغاز الطبيعي توجد تحت مياه المحيط الشمالي المتجمد· وحسب الخبراء الروس في علم المحيطات تحتوي المنطقة، التي تعتزم روسيا المطالبة بها، على 10 مليارات طن من النفط، بالإضافة إلى موارد معدنية أخرى وثروة سمكية هائلة غير مستغلة· وبالرغم من أن قانون المعاهدة البحرية لعام 1982 يرسم الحدود المائية لكل بلد على مسافة 12 ميلا من شواطئه مضافا إليها 200 ميل كمنطقة اقتصادية للاستغلال الحصري، فإن القانون يترك المجال مفتوحاً لتمديد الحدود إذا ما أُثبت أن قاع البحر هو امتداد للرصيف القاري للبلد·
وفي 2001 سلمت روسيا إلى الأمم المتحدة وثائق تزعم فيها أن حافة ''لومونوسوف'' التي توجد تحت مياه المحيط الشمالي المتجمد، هي في الحقيقية جزء من الرصيف القاري لسيبيريا، لذا يتعين ضمها إلى الأراضي الروسية· ومع أن الطلب رفض من قبل الأمم المتحدة، إلا أن الروس أصروا على مطلبهم· فقد رجع في شهر يونيو الماضي فريق علمي من مهمة في القطب الشمالي مشيراً إلى أن بيده أدلة دامغة تؤكد المطالب الروسية· وقد ساهمت تلك الرحلة في تمهيد الطريق أمام المهمة الحالية التي جندت لها روسيا إمكانات هائلة مثل آلة ضخمة لكسر الجليد تعمل بالطاقة النووية، وسفينة كبيرة للقيام بالأبحاث، فضلا عن غواصتين من طراز ''مير'' استخدمتا في السابق للبحث عن حطام سفينة ''تايتانيك''، ناهيك عن تعبئة ما لا يقل عن 130 عالما· وقبل انطلاق المهمة الاستكشافية جُربت الغواصتان يوم الأحد الماضي وتم التأكد من جاهزيتهما للغوص بنجاح في مياه عميقة· وفي هذا الصدد صرح ''أناتولي ساجيليفيتش''، أحد ربابنة الغواصتين لوكالة ''إيتار'' الروسية قائلا ''إنها المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها إرسال غواصات يقودها بشر إلى المحيط الشمالي المتجمد، لكننا اليوم على يقين بأنه بمقدورنا القيام بذلك''·
ومع ذلك لن يكون الغوص تحت مياه متجمدة سهلا، حيث سيكون على المهمة جمع معلومات عن عمر الصخور وأنواعها، فضلا عن تحديد سُمك الترسبات، ثم معطيات أخرى سيتم طرحها أمام اللجنة الأممية المعنية بتحديد الرصيف القاري للدول، وذلك بهدف دعم الخطة الروسية للمطالبة بمناطق القطب الشمالي المتاخمة لحدودها· ويضيف ''أناتولي ساجيليفيتش'' أن الهدف من الرحلة الاستكشافية على المدى البعيد هو التعود على العمل في مناخ قاس مثل ذلك الموجود في القطب الشمالي، مشيراً إلى أن ''منطقة القطب الشمالي غنية بمواردها الطبيعية، لكن علينا أن نجد طريقة ما لاستغلالها، لذا تأتي البعثة العلمية الحالية للإجابة عن بعض تلك الأسئلة وإيجاد الحلول المناسبة لها''·
والواقع أن روسيا ليست البلد الوحيد الذي يطالب بضم أراض في القطب الشمالي إلى ترابه، بل دخلت كندا أيضاً إلى مضمار السباق· فكندا التي تتوفر على ثاني أطول شريط ساحلي يطل على القطب الشمالي تنجز حالياً مشروعاً تصل قيمته إلى 70 مليون دولار لتمشيط قاع البحر على جانبها من حافة ''لومونوسوف''، فيما يعتقد المراقبون أنه محاولة كندية لتسليم وثائقها الخاصة إلى الأمم المتحدة للمطالبة بضم جزء من تلك الأراضي إلى حدودها· وفي هذا الصدد تعهد رئيس الوزراء الكندي ''ستيفين هاربر'' ببناء ثماني سفن مجهزة للإبحار في مياه المحيط المتجمد، فضلا عن إقامة موانئ على المياه العميقة للقطب الشمالي حفاظاً على المصالح الكندية· وإلى جانب كندا هناك أيضا النرويج والدانمرك المحتمل دخولهما أيضا إلى السابق نحو القطب الشمالي، كما يمكن للولايات المتحدة المطالبة بالجزء القريب من ألاسكا، لكنها تواجه عقبة تتمثل في عدم مصادقة الكونجرس الأميركي على قانون المعاهدة البحرية·
ويعبر بعض الخبراء عن قلقهم من احتمالات الصراع الذي قد يؤججه السباق بين الدول للحصول على حصة من القطب الشمالي واستغلال موارده· وفي هذا الإطار أشارت وسائل الإعلام الروسية إلى طائرة تجسس أميركية رصدت فوق القطب الشمالي وألقت بظلالها على الرحلة الروسية· لكن خبراء آخرين يرون بأن القانون الدولي الحالي قادر على التوصل إلى صيغة تفاوضية لرسم الحدود البحرية بين اللاعبين الأساسيين، وذلك في الوقت الذي بدأ فيه الاحترار الأرضي يكشف عن الثروات التي يزخر بها القطب الشمالي·


مراسل كريستيان ساينس مونيتور في روسيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا