الاتحاد

عربي ودولي

بغداد والجـيران ·· من رائد البنــا إلى نانسي عجــرم


بغداد- حمزة مصطفى:
لم تكن المطربة اللبنانية نانسي عجرم بحاجة إلى أن تحمل حزاماً ناسفاً تضعه على خصرها النحيل وتتجه إلى العراق لتفجر نفسها في حشد من المواطنين العراقيين لتقتل كالعادة عشرات إن لم يكن أحياناً مئات الابرياء مثلما فعل قبل نحو أكثر من شهرين الاردني رائد منصور البنا الذي أشعل فتيل أزمة سياسية عنيفة بين بغداد وعمان استدعت سحب السفيرين وتوتر الاجواء بين البلدين· نانسي عجرم فعلتها لكن على مستوى آخر وفي مكان آخر لتشعل هذه المرة فتيل أزمة مع العراق لكن ليس مع بلادها الاصلية لبنان بل مع بلد عربي آخر هو الكويت هذه المرة وكأنها تريد أن تقول إن العلاقة الملتبسة بين العراق والعالم العربي ستظل تدور في محيط دول الجوار، ودول الجوار فقط على الرغم من الاعتذار الكويتي مما حصل على أساس أنه لم يكن مقصوداً· فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية سجلت العلاقة بين العراق ومحيطه الجغرافي العديد من النقاط السلبية العالقة·
وإذا كانت هذه العلاقة السلبية قد امتدت إلى دول الجوار غير العربي مثل إيران وتركيا، إلا أن حصة الاسد ظلت مع الدول العربية المتاخمة للعراق مثل سوريا، والاردن، المملكة العربية السعودية، الكويت· وطوال تلك المدة اختلفت صيغ تلك العلاقة بحسب الظرف والامكانيات والدوافع ·· فمع إيران تراوحت العلاقة بين البلدين برغم أن اتفاقية عام 1937 قد نظمت صيغة هذه العلاقة بين العراق الملكي آنذاك وإيران الشاهنشاهية آنذاك ، إلا أن الخلافات الحدودية التي يمكن حلها بالتفاهم حيناً عن طريق المفاوضات الثنائية أو التحكيم الدولي حيناً آخر بقيت أسيرة البعد الستراتيجي لهذه الخلافات والمتمثلة بما ظلت تعتقده الانظمة والعهود العراقية المتعاقبة على أنه مطامع إيرانية تاريخية في العراق ·
وفي الوقت الذي يسعى فيه الكثيرون إلى توصيف هذه الخلافات على أنها مجرد خلافات مع نظام حكم يختلف آيديولوجياً مع النظام الايراني وذلك في إشارة إلى الخلاف بين صدام حسين والخميني إلا أن إسقاط صدام حسين ونظامه في التاسع من أبريل عام عام 2003 لم ينه الخلاف مع إيران بل أضاف إليه هذه المرة بعداً طائفياً بحتاً إلى الحد الذي دفع العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني إلى التحذير من إقامة ما أسماه بـ (( الهلال الشيعي )) · وعلى الوتيرة نفسها تقف العلاقة بين العراق وتركيا ، تلك العلاقة التي كانت وربما مازالت محكومة بعقدة مزدوجة تتمثل في قناعة أنقرة بأحقيتها التاريخية في مدينة الموصل العراقية وبين قناعة بغداد أيام كانت ترفع شعارات المد القومي بالحق العربي الضائع في تركيا والمتمثل في قضاء الاسكندرونة السوري ، ومثلما هي الحال مع العلاقة بين العراق وإيران في زمن صدام حسين فقد ربط بعض المحللين السياسيين بين تأزم هذه العلاقة وبين وجود صدام حسين في السلطة وفي أعقاب زوال صدام حسين ونظامه لم تنته الخلافات مع أنقرة بل أضيف لها هذه المرة وبوضوح البعد القومي حيث أصبحت تركيا تجد نفسها في حالة دفاع مستميت عن القومية التركمانية في العراق التي تعتبر القومية الثالثة في البلاد بعد القوميتين الرئيسيتين العرب والاكراد·
أما على صعيد العلاقات العربية - العربية فإن العلاقة بين العراق وسوريا لم تشهد طوال ثلاثين عاماً أية حالة من حالات الاستقرار · وعلى عهد صدام حسين انطبعت تلك العلاقة بالطابع الآيديولوجي المتمثل بالخلافات بين فرعي حزب البعث في كل من دمشق وبغداد · وبعد سقوط صدام ونظامه وعلى عكس المتوقع شهدت العلاقات بين البلدين العديد من الازمات ليس أقلها الاتهامات الموجهة إلى سوريا بإيوائها بعض كبار قادة حزب البعث ممن كانوا بالامس القريب من ألد أعدائها ·· إلا أن الاحوال تغيرت بما فيه الكفاية وهو ما دفع دمشق إلى التغيير أيضاً لكن نحو القطيعة مع بغداد الجديدة التي باتت تشكل تهديداً لنظام الحكم القائم في دمشق وهو ما لم يكن موجوداً في عهد النظام السابق ·
ومع الاردن ظلت العلاقة تتراوح بين المد والجزر · فعمان التي تحالفت مع العراق زمن الحرب العراقية - الايرانية التي استهلكت سنوات العقد الثمانيني وجدت نفسها خلال عقد التسعينات من القرن الماضي أمام أزمة من نوع مختلف بعد قيام العراق بغزو الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990 · فلا هي تستطيع الاستمرار بتحالفها مع صدام حسين ولا هي قادرة على فك ارتباطها بالكامل معه باتجاه إرضاء الكويتيين · لذلك بدت في موقف بالغ الصعوبة وإن كان قد دفعها إلى تبني سياسات صنفها صدام حسين على أنها معادية له خصوصاً حين احتضن العاهل الاردني الراحل الملك حسين صهري صدام حسين ، زوجي ابنتيه حسين كامل وأخيه صدام كامل ·
وبعد سقوط صدام وبرغم الدعم الذي قدمته عمان للعملية السياسية في العراق التي ترعاها واشنطن فإن عمان وجدت نفسها إزاء إشكالية مركبة مع العهد الجديد ، فهناك ما هو موروث من هذه الاشكالية متمثلاً بالازمة المعروفة بأزمة أحمد الجلبي مع عمان وهناك ما هو جديد والمتمثل بما يمكن أن نسميه بالتعاطف الواضح للشارع الاردني مع المقاومة العراقية المسلحة وهو ما دفع الى اتهام المواطن الاردني رائد منصور البنا بتنفيذ مجزرة الحلة في فبراير الماضي والتي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى من العراقيين· ولا يختلف الامر كثيراً بين بغداد وكل من الرياض والكويت · فالسعودية التي دعمت صدام حسين بقوة في حربه مع ايران في الثمانينات وهو ما فعلته الكويت ايضاً وجدت نفسها في التسعينيات اثناء الغزو العراقي للكويت في حالة قطيعة تامة مع النظام العراقي السابق ·
وعندما سقط النظام في العراق عبرت الرياض عن ابتهاجها بذلك · غير أن هذه الفرحة لم تدم طويلاً ·· فالبديل السياسي المطلوب لم يتحقق بعد في حين أخذت أعمال العنف في العراق تطال السعودية أيضاً · ليس هذا فقط بل إن النظام الجديد يتهم مواطنين سعوديين بتنفيذ عمليات انتحارية في العراق يذهب ضحيتها عراقيون أيضاً · أما الكويت التي سعت بغداد إلى ابتلاعها عام 1990 كانت الاكثر فرحاً بزوال صدام حسين وإذا بها تجد نفسها في أوضاع في غاية التعقيد مع العراق الجديد · فعلى الرغم من الاشارات القوية بين البلدين على طي صفحة الماضي ، واستعدادهما التام لفتح صفحة جديدة ، وبناء علاقات جيدة إلا أن الكويت وجدت نفسها طرفاً في المعادلة السياسية - الطائفية في العراق ·
ولعل الازمة التي بدأت تشتعل بين البلدين برغم محاولات تطويقها من الجانب الكويتي في الاقل وذلك على خلفية صورة المرجع الشيعي الاعلى آية الله السيستاني خلف نانسي عجرم في حفلة غنائية راقصة في الكويت مؤخراً ما يشير إلى أنه لا توجد منطقة آمنة في سياق العلاقة بين العراق وجيرانه · وإذا تخطينا الابعاد التاريخية والقومية والآيديولوجية للخلافات بين العراق وبعض جيرانه فإن قيام مواطن من ذلك البلد بتفجير نفسه في هذا البلد ، أو وضع صورة بشكل غير مقصود لرمز ديني خلفية لمسرح غنائي راقص وبصرف النظر عن كون ذلك الفعل وهذا التصرف مقصوداً أوغير مقصود فإنه يعني بالضرورة أن هناك خللاً بنيوياً في العلاقة بين الطرفين ، إن مطالبة جهات عراقية عبر مظاهرات حاشدة في بعض مدن الجنوب العراقي للكويت بالاعتذار رسمياً للشعب العراقي تعتبر مؤشراً على أن هناك هشاشة غير منظورة كانت مغلفة بمجاملات إعلامية وسياسية فقط لا سيما وأن التظاهرات تشعبت من حيث الشعارات لتشمل التنديد بمطالبة الكويت بالتعويضات وكأن المتظاهرين هنا استخدموا مؤقتاً قناع صدام الذي ظل يرفض الاعتراف بأية تعويضات للكويت ·
ربما لا تصل العلاقة بين البلدين حد القطيعة مجدداً لأسباب كثيرة ومتشعبة إلا أن الاهم في هذا كله أن العلاقة بين العراق وجيرانه ما زالت بعيدة عن الاستقرار بسبب وجود ملابسات كثيرة وإلا ما هي العلاقة التي تربط بين رائد البنا الذي اتهم بتنفيذ عملية الحلة وبين نانسي عجرم التي تعتقد أنها خارج مدار الخلافات السياسية انطلاقاً من مهمتها الهادفة إلى لم وحدة الصف العربي على صعيدي الرقص والغناء في الاقل وإذا بالسياسة تدخل على خط المرح الراقص من أوسع الابواب وأخطرها إثارة للمشاعر والعواطف وذلك بدس المقدس الديني بما ينظر إليه على انه ينتمي إلى التدنيس الارضي ·

اقرأ أيضا

انتزاع أكثر من 5 آلاف لغم زرعتها ميليشيات الحوثي في محافظة الجوف