صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الضباب الدخاني يخنق بولندا الفخورة بنجاحاتها الاقتصادية

ضباب دخاني يغطي مدينة كراكو (أ ف ب)

ضباب دخاني يغطي مدينة كراكو (أ ف ب)

وارسو (أ ف ب)

يموت 40 ألف بولندي سنوياً بسبب الضباب الدخاني، إلا أن السلطات تتأخر في اتخاذ إجراءات جذرية وتسعى إلى عدم إخافة الرأي العام. وفي بعض أيام الشتاء في وارسو، تغطي سحابة رمادية ناطحات السحاب ويصبح الهواء الذي يتنشقه السكان ثقيلًا. وأزمة الضباب الدخاني واقع تعيشه بحرج بولندا الفخورة بنجاحاتها الاقتصادية. وبحسب أرقام نشرتها منظمة الصحة العالمية في 2016، يضم هذا البلد 33 من المدن الأوروبية الخمسين الأكثر تلوثاً.
تعاين ماريا الأم لثلاثة أطفال هاتفها المحمول بعصبية ظاهرة خلال ارتشاف قهوتها الصباحية وهي تقول: «الأمر يتكرر، وارسو تحتل المرتبة الثانية على مؤشر «إير فيجوال» لتلوث الهواء بعد كاتماندو وأمام كالكوتا ونيودلهي».
والوضع الأخطر في جنوب البلاد، وتحديداً في كاتوفيتسه حيث ستستضيف بولندا في ديسمبر المقبل مؤتمر الأطراف الدولي الـ24 للمناخ، إلا أن البولنديين لا يريدون انتظار الخطوات التنفيذية الكبيرة لوقت أطول. ويقول يان فرانيك وهو تلميذ في سن الـ16، عضو في مجموعة تلامذة بدؤوا حملة عفوية لمكافحة الضباب الدخاني: «في مدينتنا الصغيرة بشتينا ثاني أكثر المدن تلوثاً في بولندا، يجب أن نفعل شيئاً».
ويبدي فرانيك أسفه لأن «كثيرين من السكان المسنين لا يصدقون وجود ضباب دخاني. هم يعتبرون أن الأمر غير موجود لأنه غير مرئي». وتوجه يان فرانيك الأسبوع الماضي إلى وارسو مع بعض رفاقه في المجموعة المسماة «لا تزيدوا الضباب الدخاني»، للمشاركة في تسليم وزارة الطاقة عريضة أطلقها الفرع البولندي لمنظمة «جرينبيس» البيئية ومسؤولون محليون ووقعها 36 ألف شخص.
وتطلب العريضة فرض معايير صارمة بشأن نوعية الفحم. هذه المادة التي يستخدمها ملايين البولنديين للتدفئة وغالباً ما تكون بنوعية رديئة، هي المصدر الرئيسي لتلوث الهواء أمام حركة المرور والقطاع الصناعي. وكان مقرراً إدخال مثل هذه المعايير في مارس 2017 إلا أن الأمر لم يحصل بعد. التدبير الوحيد الذي اتخذته الدولة أخيراً يفرض استخدام مدافئ بنوعية جيدة.
وأوضح منسق حملة «المناخ والطاقة» في «جرينبيس» ماريك يوزيفياك أنه «لا يكفي أن تكون لدينا مدافئ حديثة إذا ما استمررنا في حرق الفحم ذي النوعية الرديئة والملوث بشدة». ومن مصادر الخطر أيضاً حرق النفايات من مختلف الأنواع، وهي خطوة لا تزال تمارس باستمرار وتشكل مصدراً للدخان السام. وفي مواجهة الضباب الدخاني، ينظم الناشطون البيئيون صفوفهم. وتوضح هيئة «بولسكي الارم سموغوفي» في منشور لها أن المعايير الرسمية للتلوث تخفي خطورة الوضع. وقال بيوتر سيرغي المسؤول في الهيئة: «إذا طبقنا في بولندا سقف التلوث المعتمد في فرنسا، ستعيش مدن عدة في حال الإنذار لأيام طويلة، ربما مدة شهرين سنوياً للبعض». ويعتبر التلوث بالجسيمات العالقة «بي إم 10» خطيراً في بولندا اعتباراً من مستوى 300 ميكروجرام في المتر المكعب. أما في فرنسا فهذا الحد الأدنى محدد بـ80 ميكروجراماً.
أما الحكومة التي يأخذ الناشطون البيئيون عليها ما يعتبرونه تساهلاً في التعاطي بفعل نفوذ مجموعات الفحم في البلاد، فتنتهج سياسة واقعية من دون تقديم وعود بالتغيير على المدى المنظور.
وتطرقت وزيرة المقاولات والتكنولوجيا يادفيغا اميليفيتس بقلق إلى التقديرات التي تفيد بأن 40 ألف بولندي يموتون سنوياً جراء التلوث، فيما تقدر الوكالة الأوروبية للبيئة هذا العدد بـ50 ألفاً من أصل 38 مليون نسمة في البلاد.
وتعد الوزيرة «بتحسن ملحوظ خلال السنوات الخمس المقبلة» بفضل اعتماد معايير لجودة المحروقات الصلبة والمساعدات المقدمة للفقراء و«المهمشين في مجال الطاقة» لعزل مساكنهم واستبدال المواقد القديمة المسببة للتلوث بأنظمة تدفئة مراعية للبيئة بأسعار مخفضة. أما ماريا فترى أن 5 سنوات فترة طويلة، وقالت: «في هذا الوقت سيكون أطفالي قد تنشقوا الكثير من الجزيئات المجهرية التي ستلتصق في الرئة أو حتى في الدم».