الاتحاد

تقارير

هل الفيتو الروسي الصيني نهاية الحل السياسي لأزمة سوريا؟

استخدمت روسيا والصين حق النقض "الفيتو" ضد مشروع قرار مقدم للأمم المتحدة لإدانة القمع العنيف الذي تمارسه قوات الأمن والجيش السوري ضد المتظاهرين المناوئين للحكومة، وهو ما يقوض فعلياً الجهود الرامية لعزل نظام بشار الأسد، الذي يكثف في الوقت الراهن من حملته القمعية المستمرة منذ عشرة أشهر على وجه التقريب.
وقد وجه"الفيتو" الروسي الصيني ضربة قاصمة للمحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون، للاحتشاد وراء خطة جامعة الدول العربية، التي كانت تطالب الأسد بالتنحي وتسليم السلطة لنائبه وتمهيد الطريق أمام قيام حكومة وحدة وطنية، منتخبة ديمقراطياً.
ويأتي الفيتو ليضع نهاية لمفاوضات استمرت عدة أسابيع بذل أثناءها الدبلوماسيون جهوداً كثيفة للتخفيف من صيغة القرار من أجل ضمان كسب دعم واسع النطاق له.
وقالت "سوزان رايس"، السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، إنها تشعر "بالاشمئزاز للجوء روسيا والصين لاستخدام الفيتو"، وأضافت قائلة: "لا يزال عضوان من أعضاء هذا المجلس ثابتين على تصميمهما على بيع الشعب السوري وحماية نظام طاغية جبان".
ورد المبعوث الروسي لدى المجلس "فيتالي تشوركين" على اتهام "رايس" بالقول إن الولايات المتحدة وشركاءها قد قوضوا فرص التوصل لصفقة لحل الأزمة السورية، بترويجهما لاستراتيجية تهدف لـ"تغيير النظام" من خلال دعم سعي المعارضة لتقويض السلطة وتسلم مقاليد الحكم، علاوة على تأجيج "الوسائل المسلحة للصراع".
وهذا الانقسام بين المعسكرين ترك العملية الدبلوماسية في حالة من الفوضى والاضطراب. فمن جانب يتعهد رؤساء الوفود العربية بمواصلة السعي من خلال خطتهم الهادفة لإحداث انتقال سياسي في سوريا، في حين قالت روسيا على لسان متحدث باسمها إن دبلوماسييها سوف يسافرون إلى العاصمة السورية دمشق يوم الثلاثاء المقبل لمقابلة الأسد، ومحاولة الدفع بخطة منافسة للخطة التي قدمت في الأمم المتحدة، وتهدف للجمع بين الحكومة السورية والمعارضة على مائدة المفاوضات، لإجراء مباحثات مباشرة وجهاً لوجه.
لكن بعض الخبراء في الشأن السوري، أعربوا عن قلقهم من أن الوقت قد بات متأخرا للغاية للتوصل إلى حلول دبلوماسية. وأحد هؤلاء الخبراء هو" اندرو تابلر"، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، والذي يقول:"الأمور بدأت تخرج عن نطاق السيطرة في الواقع، وذلك لدرجة تجعلني غير واثق من أن القرار الدولي -حتى لو كانت الموافقة عليه قد تمت- كان سيؤدي لإيقاف عمليات القتل التي تجري في سوريا".
وقد جاء مأزق الأمم المتحدة الجديد، بعد يوم من إقدام السلطات السورية على سحق المعارضة في مدينة حمص، بارتكاب مذبحة أدت إلى قتل العشرات من المدنيين في الذكرى الثلاثين للمذبحة التي ارتكبت ضد مدينة حماة في ثمانينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من الاختلاف الكبير في تقديرات القتلى خلال هذه العملية، إلا أن الجميع تقريباً، قد اتفقوا على أن الحملة التي شنتها السلطات على المدينة هي الأعنف والأشد شراسة على الإطلاق منذ اندلاع الانتفاضة ضد نظام الأسد.
وعلى الرغم من أن السلطات السورية كانت قد امتنعت عن استخدام الأسلحة الثقيلة في حملتها المضادة للاحتجاج، وذلك بالنظر إلى جسامة الخسائر التي تعرض لها المحتجون، إلا أن المراقبين يخشون من أن تكون الحملة الشرسة التي شنتها هذه السلطات ضد مدينة حمص مؤخراً، والعدد الكبير من الضحايا الذين سقطوا في يوم واحد، والذي لم يسبق له مثيل منذ أن بدأت الانتفاضة الحالية. يخشون من أن ذلك ربما يمثل بداية لحملة أكثر شراسة ضد المعارضة من قبل نظام الأسد الذي يخوض معركته الأخيرة كما تشير دلائل عديدة.
وقال متحدث باسم المعارضة عقب الجنازات التي أقيمت لضحايا مذبحة حمص، إن الناس في المدينة كانوا ينتظرون على أحر من الجمر سماع الأنباء المتعلقة بالتصويت على مشروع القرار المقدم للأمم المتحدة بشأن سوريا وأنهم على الرغم من معرفتهم بالموقف الروسي من المقترح العربي الغربي، فإنهم مع ذلك كانوا "يأملون أن يغير الروس من وجهة نظرهم". وأضاف هذا المتحدث: "على الرغم مما حدث، فإن الناس هنا لا يشعرون باليأس، فهم يعتمدون على الله سبحانه وتعالى، ثم على الجيش السوري الحر".
وكانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، هيلاري كلينتون، وسفيرتها لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، ونظراؤهما الأوروبيون والعرب، قد سعوا مراراً لتجنب الفيتو الروسي، وذهبوا في ذلك لحد الموافقة على التخلي عن الصياغات الأكثر حدة في مشروع القرار الأصلي، بما في ذلك فقرة كانت تحث الدول المختلفة على عدم توريد السلاح للنظام السوري، وتعزيز طائفة من العقوبات المفروضة من جامعة الدول العربية على نظام الأسد، كما وافقوا في الوقت نفسه على إضافة فقرات تستبعد من مشروع القرار أي صياغة يمكن استخدامها فيما بعد كحجة أو ذريعة للعمل العسكري.
وأقر مسؤولو البيت الأبيض بأن استخدام الفيتو من قبل روسيا والصين لعرقلة صدور القرار بشأن سوريا، قد وجه ضربة للجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الأزمة في ذلك البلد، وأن التركيز يجب أن يتحول الآن إلى الجامعة العربية التي يمكن أن يجرى فيها تصويت على عقوبات ضد النظام السوري، في أواخر هذا الشهر.
لكن منتقدي النهج الدبلوماسي التصاعدي الذي اتخذته الإدارة الأميركية للتعامل مع الأزمة السورية، قالوا إن الإدارة كانت مسؤولة جزئياً عن النتيجة التي آل إليها مشروع القرار المقدم للأمم المتحدة بشأن سوريا. ومن هؤلاء المنتقدين" ديفيد شينكر" مستشار البنتاجون لشؤون الشرق الأوسط في إدارة الرئيس السابق بوش الابن الذي قال: "إن ما حدث كان يشبه لحد كبير حادث تحطم قطار بالتصوير البطيء... فأهدافنا كانت منخفضة، وعلى الرغم من ذلك قصرنا عن تحقيقها". وأضاف شينكر: "بدلاً من محاولة إقناع الروس بالموافقة على قرار من دون أسنان، كان من المفترض على البيت الأبيض أن يعمل على حشد تحالف من الراغبين لمساعدة متمردي سوريا الذين يعانون من مصاعب عديدة بالأسلحة والتدريب". وأضاف محذراً: "إذا ما استمرينا في تعطيل الجامعة العربية والأمم المتحدة، فإن الشعب السوري سيكون هو الخاسر في نهاية المطاف".
والفيتو الذي استخدمته روسيا والصين يوم السبت يحمل في طياته مخاطر سياسية جمة لكل من موسكو وبكين، اللتين لم تتحديا فقط رغبات واشنطن والقوى الأوروبية، وإنما واجهتا معظم الدول العربية التي تشير كافة الاحتمالات إلى أنها ستميل أكثر إلى المعسكر الغربي.
وفي غضون ذلك قال العقيد "مالك تركي"، وهو قائد مجموعة مسلحة يطلق عليها "الجيش السوري الحر"، عندما اتصلنا به هاتفياً في تركيا، إنه تلقى العشرات من المكالمات الهاتفية من سوريين يطلبون منه تزويدهم بالسلاح بعد الأحداث التي وقعت مساء الجمعة. واتهم "مالك" السلطات السورية بدفع البلاد نحو حرب أهلية، كما اتهم المجتمع الدولي بالإخفاق والعجز عن إيقاف الهجمات التي تشنها الحكومة ضد المحتجين. وأضاف مالك: "سوف يفعل المواطنون السوريون كل شيء من أجل الحصول على ما يحتاجونه للدفاع عن أنفسهم، طالما أن المجتمع الدولي يعطي هذا النظام الفرصة تلو الأخرى".

كولام لينش - اليس فوردهام
الأمم المتحدة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا