الاتحاد

دنيا

ميناء غزة.. يبحث عن «سفينة»

منظر عام لميناد غزة

منظر عام لميناد غزة

إن كانت غزة لا تملك ميناء في أوائل القرن الحادي والعشرين بفعل عوامل الاحتلال ومحاربته لكل أنواع التقدم والرقي إلا أن غزة امتلكت على مر العصور ميناء تجارباً وسياحياً مهما طالما رست فيه قوارب الصيادين والرحالة وكان رئة غزة وفلسطين على العالم.
ولميناء غزة قصة قديمة تستحق أن تعرفها أجيال غزة التي تحلم الآن بامتلاك ميناء يحملها الى الخارج بعد سنين طويلة من الحرمان والحصار. ولعلها من قبيل المصادفة أن يكون جيل الحالمين بميناء تجاري حر على شاطئ غزة هو نفس الجيل الذي ينقب اليوم عن آثار ميناء غزة القديم ليتجدد بذلك الارتباط والتواصل القديم بين الإنسان وغزة والميناء الجميل. وهنالك على الشاطئ الشمالي الغربي لمدينة غزة تنقب أياد فلسطينية وفرنسية منذ سنوات عن الميناء القديم لغزة الذي عرف باسم انثيدون أو المكان المليء بالزهور.
ويقول مدير عام دائرة الآثار في محافظات غزة معين صادق إن ميناء غزة البحري يعتبر أقدم ميناء لمدينة غزة، حيث نشأ في العصر الحديدي الذي بدأ في القرن الثاني عشر قبل الميلاد واستمر يقوم بدوره حتى نهايات العصر اليوناني والهيلينستي.
وتعني كلمة انثيدون باللغة اليونانية القديمة المكان المزهر أو المليء بالزهور، إضافة إلى أن هذه الكلمة كانت صفة من صفات النحلة في العصر اليوناني ويؤكد د.صادق أن الاسم قد يكون جاء نتيجة وجود زهور كثيرة في المكان انذاك أو لنشاط الميناء والحركة الاقتصادية فيه التي يمكن تشبيهها بالنحلة العاملة.
موقع الميناء
يقول د. صادق إن الميناء يقع على الطريق القديم كان يربط مصر في الجنوب وفلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين في الشمال.
وكان الفراعنة قد أطلقوا على هذا الطريق اسم طريق حورس، وأطلق عليه في العهد القديم «اسم الطريق إلى أرض الفلسطينيين» وأطلق عليه في العصر اليوناني والروماني اسم «فيامارس» أي الطريق البحري.
ويؤكد د.صادق أن أهمية هذا البناء لم تأت لوقوعه على هذا الطريق المهم فقط بل لوقوعه على طرق فرعية أخرى تمتد بين غزة شرقاً إلى الخليل وبئر السبع والقدس والجزيرة العربية والبتراء، حيث كانت القوافل التجارية تجلب بضائع تلك المناطق إلى هذا الميناء إما بهدف التبادل في غزة، أو بهدف تصدير البضائع إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط. وتقع أطلال الميناء اليوم في الطرف الشمالي لمعسكر الشاطئ الواقع بجوار بحر غزة مباشرة.
حفريات حديثة
خضع الميناء لحفريات أثرية فلسطينية فرنسية مشتركة منذ عام 1996 للكشف عن الأسوار التي تحيط بالميناء وهي مدينة تابعة للرصيف البحري كأي مدينة بحرية عالمية.
وقد بدأت عمليات الكشف بمحاذاة شاطئ البحر مباشرة وهي المنطقة الخالية من البنايات والتي تتيح عملية التنقيب حيث تم الكشف عن أجزاء من السور الذي كان يحيط بالمدينة خلال القرن الثامن قبل الميلاد.
ويقول د.صادق إن السور يبدأ من شاطئ البحر ويمتد شرقاً ثم جنوباً ليعود إلى شاطئ البحر ملتفاً حول المدينة بمساحة تقريبية قدرها 70 دونماً، المساحة التقريبية للتلة الحالية التي تقع أطلال الميناء في باطنها الذي يقوم عليه الآن الطرف الشمالي لمعسكر الشاطئ الشمالي. وأضاف: بالفعل تم الكشف عن امتداد حوالي 30 مترا من هذا السور بارتفاع يصل في أعلى منطقة له إلى ثمانية أمتار بعد الهدم الذي طرأ عليه، وبعرض يصل إلى ستة أمتار وهو مشيد بقوالب متعددة الأحجام من الطوب اللبن أي الطين غير المشوي.
ويؤكد د.صادق أن السور الأشوري تعرض للتدمير عند اجتياح نبوخذ نصر البابلي للمنطقة عام 602 ق.م مشيراً إلى أن طبقات أثرية بدأت بعد ذلك تتكون فوق السور والمدينة خلال العصور التاريخية اللاحقة.
ويقول إن من أهم التكوينات المعمارية التي تم الكشف عنها فوق المستوى الأشوري تعود للفترات الفارسية واليونانية والهيلينية والرومانية والبيزنطية، مؤكداً أن كل فترة تاريخية تتميز بنوع معين من الحجارة والبناء، إلى أن امتدت المدينة خارج أسوارها في العصر الروماني والبيزنطي بشكل خاص وخصوصا امتدت خارج الأسوار من الجهة الشمالية. ويؤكد د.صادق أن هذا لا يمنع من وجود آثار هنا أو هناك خارج السور تعود للفترة اليونانية والفارسية أيضاً.
وعن أهم المكتشفات الأثرية التي تعود للعصر الروماني والبيزنطي خارج الأسوار من الجهة الشمالية قال د.صادق إن أهم المكتشفات هي الواجهة الشرقية لمبنى روماني ضخم تشير النتائج الأولية للحفريات إلى أنه ربما يعود لمعبد وثني.
ويؤكد أن الواجهة مشيدة بالحجارة الرملية المتوفرة محلياً خاصة في المحاجر الشرقية لمنطقة غزة مؤكداً انه تم الكشف عن امتداد حوالي 110 أمتار من هذه الواجهة.
ويقول د.صادق إن الحفريات التي أجريت في المنطقة أظهرت وجود طبقة سفلية تعود لفترة أقدم من السور حيث جرى الكشف عن مجمع معماري ضخم يتميز بوجود قاعات كبيرة الحجم ذات أسوار سميكة بالقصارة الجيرية، إضافة إلى وجود مرافق خدمات أهمها قنوات مائية، وصهريج مياه دقيق الصنع مبطن من الداخل كان يستخدم لتجميع المياه، إلى جانب بقايا أثرية تشير مع ما سبق إلى أن هذا الموقع كان مجمعاً صناعياً يعود إلى العصر الروماني.
ويقول د.صادق إن هذه البقايا تشمل مقبرة رومانية بيزنطية تقع على بعد حوالي 150متراً شمال السور الروماني حيث وجدت عشرات القبور الممتدة «شرق غرب» وهو الامتداد الطبيعي للقبور في العصر البيزنطي.
وتتكون القبور من نوعين الأول تلك المشيدة بالحجر الرملي وعليها بلاطات من الحجر الرملي والجيري أو من الصخر المقطوع من البحر. ويؤكد د.صادق أن هذا النوع من القبور تغلب عليه صفة البساطة وهو متكرر الوجود في مواقع أثرية في القطاع وفلسطين بشكل عام أما النوع الثاني فهو عبارة عن قبور مشيدة بالحجر ومغطاه من الداخل بالقصارة الجيرية البيضاء التي تحمل زخارف مائية حمراء، وهو اللون الشائع في الزخارف المسيحية البيزنطية تذكيراً بدماء السيد المسيح.
ويشير د.صادق إلى أن هذه الزخارف معظمها مأخوذ من التراث المسيحي وتتكون من عناقيد وأغصان وأوراق عنب، إلى جانب رسم الصليب، مؤكداً أن هذا النوع من القبور نادر الوجود في فلسطين.
وعلى حدود هذه المقبرة من الجهة الشمالية يوجد اطلال المبنى الجنائزي المسيحي الذي كان يتبع المقبرة دائماً.
ويقول د.صادق إنه في هذا المكان كان يسجى الميت قبل دفنه، مؤكداً أن للمبنى الجنائزي أرضية من الفسيفساء مصنوعة من مكعبات حجرية ورخامية وبازلتية متعددة الألوان تشبه مثيلاتها المكتشفة في كل من جباليا والنصيرات وشاطئ غزة وعبسان الكبيرة. وعن المكتشفات الأثرية الأخرى المنقولة يقول د. صادق إنها عبارة عن تحف فخارية وزجاجية وغيرها، تشير إلى التواصل الحضاري بين غزة ومصر في الجنوب وسوريا وبلاد ما بين النهرين في الشمال والجزيرة العربية والبتراء في الشرق.
ويقول: إن ذلك يبرز أهمية غزة كمركز تجاري مهم منذ العهد الكنعاني حتى نهاية العصر اليوناني حيث واصل هذا الدور ميناء غزة الثاني المسمى «مايوماس» الواقع على الساحل الغربي لمدينة غزة الذي ازدهر في العصر الروماني واستمر في العمل حتى العصور الإسلامية المبكرة ونرى إطلالة اليوم على شاطئ بحر غزة، التي من أهمها كنيسة الميناء البازلتية التخطيط الواقعة بالقرب من ميناء الصيادين الحالي، والتي نقل الاسرائيليون أرضيتها الفسيفساء إلى المتاحف الإسرائيلية حيث تعرض هناك حتى الآن.
ويؤكد د.صادق أن ميناء انثيدون يعتبر من المواقع الأثرية المهمة التي يمكن تطويرها وتأهيلها لاستثمارها في المجال السياحي الذي هو عنصر مهم من عناصر الاقتصاد الوطني الفلسطيني معبراً عن أمله في أن تتكاثف الجهود لدعم هذا النظام السياسي والأثري.

اقرأ أيضا