الاتحاد

دنيا

«ديجافو ».. أو شاهدت ذلك مسبقاً

فتح أخي الأصغر جزءا من ذاكرتي دون أن يدري عندما قال ونحن نحتفل سويا بنزول المطر، إن مثل هذا المشهد قد مر عليه من قبل بكل تفاصيله ولكنه لا يتذكر متى.
قلت إنه الديجافو يا أخي . نظر إليّ وهو مستغرب دون أن يفهم ما أعنيه. تذكرت حينها عندما ضربني أبي قبل أكثر من خمسة عشر عاما، فقلت له إن هذا المشهد يتكرر للمرة الثانية وإن شيئا مشابها له قد حدث لي من قبل بكل التفاصيل وتوزيع الأدوار، لم يأبه أبي لكلامي ولم تشفع لي فلسفتي حينها من لسعات الخيزران على ظهري.
أخذت وأنا أحاول تبريد الأماكن التي مرت عليها عصاه. والدي تذكر متى ضربني قبل اليوم ولنفس السبب وبنفس التفاصيل حتى في نفس المكان ولكني لم أصل لنتيجة.
وحدث أن تكرر الأمر كثيرا، مشاهد كثيرة أراها تحدث أمامي أو أكون طرفا فيها، فينتابني شعور قوي أنها حدثت وعشتها بكل تفاصيلها من قبل، حتى أنني أحسست أن ثمة مشكلة في تكوين شخصيتي، ومن كثرة تكرار ما حدث أصبح الأمر عاديا أو يكاد.
بعد سنوات ونتيجة القراءات المتراكمة تأكدت أن ثمة تناسخ في أحداث الحياة، ودخلت على الخط فكرة الهنود في تناسخ الأرواح وأن الإنسان عندما يموت تبدأ روحه في حياة أخرى في جسد آخر ومكان آخر.
واستمرت فكرة «شاهدت ذلك من قبل» تسيطر على الكثير من مناحي حياتي ولم أعرف تفصيلا لكل ذلك.
وإذا كان العلماء لا يعرفون حتى الآن تفسيرا علميا دقيقا لهذه الظاهرة فإن ثمة الكثير من الآراء التي غالبا ما تنطلق من خلفيات أيديولوجية تُدعم قليلا بالعلم.
فالمحللون النفسيون يعتقدون أن الديجافو وهو الاسم العلمي لهذه الظاهرة ناتج عن رغبة جامحة في تكرار تفاصيل حياة سابقة ربما لمثاليتها أو لرسوخها في الذهن. فيما يرى الأطباء أن ثمة خللا في جزئيات المخ تجعل الأزمنة تتداخل وربما تتماهى مع بعضها البعض. إلا أن تفسير علماء ما وراء الطبيعة هو الأجمل والأقرب برمزيتة إلى نفسي، فهم يرون أن الظاهرة ما هي إلا اجترار خبرات سابقة عاشها الإنسان بكل تفاصيلها قبل قدومه لهذه الحياة في ذاته الحالية.
وربما ثمة تقارب بين هذا التفسير وبين تفسير علماء النفس وكذلك الهنود.
ما أجمل أن يستطيع الإنسان اجترار تلك الحياة دفعة واحدة حتى يستفيد من تجاربها ويتعلم كيف لا يقع فيما وقع فيه هناك. إنها فكرة جميلة ورائقة لكتابة سيناريو فيلم طويل أو كتابة رواية تتكئ على هذه الفكرة، البطل الذي يعيش في جلباب حياة أخرى لا يتذكر من تفاصيلها إلا تطابق أحداثها مع أحداث حياته الجديدة. يخيل إلي الآن أنها ستكون رواية ناجحة خاصة إذا ما كتبها روائي جميل يجيد الحلم أو يؤمن بفكرة تناسخ الأرواح. وبمناسبة الحديث عن هذه الظاهرة وجمالية توظيفها في عالم الأدب، فإن ثمة ظاهرة معاكسة لها ولقيت نجاحا كبيرا حينما وظفها كتاب الرواية، وهي تحويل المألوف من تفاصيل الحياة إلى شيء غريب أو لشيء صادم، كأن تعتقد عندما تشعر بلسعة العصا على ظهرك أن ذلك شيء فجائعي وشيء غير مألوف في حياتك. ربما قد يفيدك ذلك فلا تتوان في مذاكرة دروسك وتقلع عن إضرام النار في مزارع الجيران.

عاصم الشيدي
assemcom@hotmail.com

اقرأ أيضا