الاتحاد

دنيا

هموم المطلقات

بعد أن وقع الطلاق، اعتقدت بأن مشاكلي قد انتهت، وأنني سأعيش براحة بال وهدوء كما كنت من قبل في بيت أهلي قبل الزواج، ولكن ما حدث في الحقيقة هو أنني تذوقت المر والعذاب والكثير من البهدلة، حتى شعرت وكأنني كرة تتطاير هنا وهناك، وهي تلف حول نفسها بقوة، فتموت في كل لحظة ألف مرة.
كانت المحنة الأولى التي واجهتها بعد طلاقي هي رفض أهلي استقبال أطفالي، أفهموني بأنهم غير مستعدين لتحمل مسؤولية أولاد الرجل، وهو أولى بهم لأنه المسؤول الأول والأخير عنهم، هل هذا يعقل؟ كيف أترك أولادي؟ هل يمكن لقلب الأم أن يتحمل مثل هذا الشيء؟ لا أعتقد بأن هذا الأمر يمكن أن يكون طبيعياً، لن أتخلى عن أولادي مهما كان الثمن، كان هذا هو قراري الأخير، وقد تمسكت به على الرغم من خوفي من أخوتي، فقد حاولوا إرغامي على ترك فلذات كبدي والتخلي عنهم، لذلك قررت عدم اللجوء إلى بيت أهلي أبداً، لأن والدي أصبح كبيراً في السن، ولم تعد له سلطة كبيرة في بيته، وقد ملأ أخوتي وزوجاتهم وأولادهم كل زوايا البيت، ولم يتركوا شبراً واحداً لاستقبال ساكن جديد. نمت في سيارتي!! نعم هذه هي الحقيقة.. بعد طلاقي مباشرة لم أجد مكاناً ألجأ إليه، فنمت في سيارتي مع أولادي ولمدة أسبوع كامل، لا أحد يدري عنا، في النهار نذهب هنا وهناك كضيوف، وفي الليل ننام في السيارة، كنت خلال تلك الفترة أبحث عن سكن مستأجر مناسب لنا، الله وحده يعلم كم عانينا أنا والأولاد في تلك الفترة حتى وجدت السكن المناسب، فصار لنا مكاناً يقينا الحاجة إلى الآخرين.
ربما يفكر البعض بأنني أبالغ في وصف حالتي، ولكني أقول للجميع: يا جماعة.. لا يمكن لإنسان أن يشعر بمعاناة غيره ما لم يجربها بنفسه، الحاجة المادية هي أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان، والبيت هو الاستقرار الحقيقي في حياتنا، فإذا وجدنا أنفسنا غير قادرين على توفير المسكن، عندها سنشعر بالضياع الكامل في حياتنا.
حكايتي
تزوجت وأنا في الخامسة عشرة من عمري، كان زوجي في التاسعة عشرة من العمر، وحيد والديه، كان لطيفاً معي ولم يقصر في شيء، وكانت أمه تعاملني معاملة طيبة وكنت سعيدة وراضية بكل شيء، وقد أنجبت أطفالي الثلاثة، ولد وبنتان، وقد كانت الحياة تسير بشكل تلقائي وجميل في أسرتنا، ولم يكن لدينا سوى مشكلة واحدة فقط هي جدة زوجي!!
لا أدري لماذا لم تحبني تلك المرأة!! ولم اتخذت مني موقفاً عدائياً طوال الوقت، كانت تتدخل في حياتنا، وتبحث عن أي نقطة ضعف لتهينني وتحط من شأني أمام الجميع، وكنت كمن بلع الموس، فلا يستطيع أن يخرجه ولا يستطيع أن يهضمه، فإن سكت على أهانتها، كانت تتمادى وتزداد، وأن تكلمت وأجبتها بكلمة واحدة أشعلت نيران غضبها علي، وقد تطور الأمر إلى مد يدها لضربي لأنني رددت عليها، يومها بكيت بحرقة، فحتى زوجي لم يمد يده علي أبداً، ولم أتعود على الإهانة والضرب في بيت أهلي منذ طفولتي، فأنا فتاة طيبة ومطيعة ولم أفعل شيئاً يؤدي إلى معاقبتي، فهل أتقبل أن تضربني تلك المرأة بلا سبب معقول، وقد كبرت وأصبحت أماً؟ هل هذا يعقل؟
طلبت من زوجي أن نستقل في بيت وحدنا، فأنا لا استطيع منع جدته من المجيء لبيت ولدها ولم أعد قادرة على تحمل المزيد من تصرفاتها.
قدر زوجي وضعي وتفهم مشكلتي، فاستأجر لنا بيتاً صغيراً يكفي أسرتنا الصغيرة، كنت معتقدة بأن المشاكل قد انتهت وأن حياتنا ستكون في أحسن حال، ولكن بعد فترة صرنا نشعر بأمور غريبة تحدث لنا، بعدها عرفت بأن جدته، أوهمت الجميع بأنني سيطرت على زوجي بالسحر والشعوذة، فصار مثل الخاتم بيدي أحركه كما أشاء، ووعدت الجميع بأنها ستوقفني عند حدي وستبطل ذلك السحر بأي شكل.
فهمت من ذلك الكلام بأنها استعانت بالسحرة الذين أقنعوها بأنني أقوم بمثل هذه الأمور للسيطرة على زوجي، ووعدوها بإبطال كل الأعمال، وبالطبع فإنهم لم يفعلوا سوى تسليط الشياطين التي تفرق بين المرء وزوجه، فأصبحت حياتنا جحيماً لا يطاق، ولم نستطع المواصلة في تلك الأجواء المشحونة بالتوتر والغضب لأتفه الأسباب، حتى قررنا الانفصال لأننا قد تعبنا تماماً ولم نعد نرغب بالاستمرار، فحتى أطفالنا قد تأذوا بسبب تلك المشاحنات والمعارك والعصبية المستمرة بيننا.
اتفقنا على الطلاق وقد توسلت إليه أن لا يقصر مع أولاده وأن لا يبهدلنا ويجعلنا نحتاج لهذا أو ذاك، فأقسم بأنه لن يقصر أبداً في شيء. عندما علم أهلي بما حدث بيننا أنا وزوجي هددوني بأنهم لن يسمحوا باستقبال الأطفال عندهم، وأنني يجب أن أتخلى عنهم ليتحمل والدهم مسؤوليتهم وبالطبع فإن هذا الأمر هو الذي جعلني لا أفكر بالذهاب إلى بيت أهلي بعد أن وقع الطلاق.
مسلسل المعاناة
في السنة الأولى بعد الطلاق أوفى طليقي بوعوده ولم يقصر معنا في شيء، حيث كان يدفع إيجار البيت ولم ينقطع عن إعطائي النفقة ولكن بعد مضي السنة الأولى بدأ يمر بسلسلة من الزيجات الفاشلة مع هذه وتلك، فانشغل عنا بعد أن أصبحت له متطلباته الكثيرة والتي تتطلبها أوضاعه غير المستقرة.
انقطع عن دفع الإيجار، فصار صاحب البيت يلاحقني باستمرار، فاضطررت للجوء إلى المحاكم لإلزام طليقي بدفع الإيجار، وما أن علم بأنني شكوته في المحكمة حتى صار عدائياً معي، يتعمد تعريضي لمواقف محرجة، يتخلف عن دفع الإيجار وعن النفقة ولا يدفعهما إلا عن طريق الشرطة، فكان وضعي في غاية السوء والتعب.
فكرت في حل مشكلتي بشكل جاد ودائمي، فطلبت أرضاً حكومية وقدمت طلباً للحصول على منحة الشيخ زايد رحمه الله، وقد تابعت الموضوع بكل ما استطيع من طاقة حتى حصلت على الأرض والمنحة، وقد اعتقدت بأنني إنسانة محظوظة لأنني سأعيش في بيتي وسأكون في أمان من أصحاب البيوت المستأجرة وملاحقتهم في طلب الإيجار.
بدأت معاناتي عندما ذهبت إلى المقاولين للاتفاق على بناء البيت، فوجدت بأن أقل بيت سيكلفني أكثر من قيمة المنحة، فدار رأسي وبقيت حائرة ماذا أفعل؟ أخيراً وبعد أن استمتعت لمشورة أصحاب الخبرة اتفقت مع المقاول بأن أعطيه تكلفة البناء الأساسي فقط، على أن أتكفل أنا بشراء الأبواب والشبابيك والحمامات والمطابخ، فطلب مني ستمائة وخمسون ألفاً، فأعطيته الخمسمائة التي معي، ثم استلفت من إحدى معارفي مبلغ المئة والخمسين ثم سلمتهما له كي يبدأ في البناء.
وبالفعل فقد ارتفع البناء بسرعة وبدأت أفكر بكيفية تدبير المبالغ التي سأشتري بها الأبواب والشبابيك والمطبخ والمكيفات وغير ذلك من أمور كثيرة تحتاج إلى المال، وبدأت الدوامة القوية تدور من حولي، الوقت يمر بسرعة والمرأة التي استلفت منها مبلغ المئة وخمسين ألف تطالبني بالسداد، المقاول يريد ثلاثين ألف درهم زيادة، لأن تكاليف البناء ارتفعت بشكل كبير، مصاريف الأولاد، متطلبات مدارسهم التي لا ترحم، البترول، سالك، فواتير الهاتف والماء والكهرباء، راتب الخادمة، والمطلوب فوراً هو شراء الأبواب والشبابيك والحمامات والمطبخ، حتى يكمل المقاول عمله، ثم إيجار البيت الذي أسكنه وقد تخلف زوجي عن دفعه، فصار صاحب البيت يهددني باللجوء إلى الشرطة، فماذا أفعل يا ربي؟ وكيف أحل كل هذه الأمور المتشابكة من حولي؟ الدنيا تشتعل بالغلاء، وأنا وأمثالي لا حول لنا ولا قوة، استلم من الشؤون مبلغ أربعة آلاف وأربعمائة درهم، ونفقة الأولاد التي استلمها مع طلعات الروح، وهي 3600 درهم، وأنا لا أعمل وليست لدي شهادات أو مؤهلات تساعدني على العمل.. فماذا أفعل؟ قمت بعمل بعض الأشياء اليدوية البسيطة وقمت ببيعها، ولكنها محدودة ولا يمكنها أن توفر المال الذي أحتاجه.
كلما طرحت همومي أمام أهلي أجد بان أذانهم مغلقة، فكل واحد من أخوتي له مسؤولياته ومتطلبات أسرته، ولا أحد منهم مستعد لمساعدتي، فكرت بأنه إذا أنهيت بناء البيت فإنني سأقوم بتأجيره كي أسدد ديوني، ثم بعد أن تنتهي تلك الديون أسكن فيه، ولكن كيف ينتهي البناء بلا أبواب وشبابيك وحمامات ومطبخ؟ البنك لا يعطيني قرضاً لأنني لا أعمل، ولست موظفة فمن أين أحضر المال؟ وكيف سأتصرف؟
الكلمة الصعبة
أعوذ بالله من كلمة «لو» ولكني مضطرة لاستخدامها هنا، فلو حصلت على بيتاً حكومياً جاهزاً مجاناً لأسكنه أنا وأولادي، لما مررت بكل هذه الظروف الصعبة، و»لو» كان طليقي من النوع الذي يشعر بالمسؤولية تجاه أولاده بعد أن طلقني، لما تعرضت لمواقف محرجة وصعبة، ولكان قد وقف معي وساعدني حتى استقر في بيتي دون أن أكون في مثل هذا الوضع المتعب.
و»لو» كان أخوتي من النوع الذي يقف إلى جانب الأخت المطلقة التي ليس لها أحد في هذه الدنيا سواهم، لكانوا تعاونوا معي بأي شكل حتى تنتهي أزمتي، ثم استطيع تسديد ديوني لهم بشكل يناسب دخلي البسيط. و»لو» ومرة أخرى أعوذ بالله من كلمة «لو» لو كانت هناك دوائر خاصة تعتني بشؤون الأرامل والمطلقات والمهجورات، بحيث تتم دراسة أحوالهن، وتقديم المساعدات لهن بحيث لا تتعرض هذه الفئة إلى ظروف غير إنسانية يكون ضحيتها الأطفال، والمرأة نفسها، حيث لا يمكن أن تتخيلوا ما قد تواجه تلك الفئة من المجتمع.
أبواب المساعدة
ذهبت على الجمعيات الخيرية، الواحدة بعد الأخرى، أولها «الهلال الأحمر» في البداية وبعد أن استمعوا لمشكلتي وكلماتي المؤثرة، حيث قلت لهم بان المواطن هو أولى بالمساعدة لأنه يعيش على أرض هذا البلد، فهل تعطي البلد خيرها للغريب وتتخلى عن القريب؟ تأثروا بقولي، وطلبوا مني إثباتات لحالتي، أوراق كثيرة كلفتني أجور تاكسي ودراهم كنت بحاجة لها، وعندما أحضرت كل ما طلبوه، أخبرتني الأخت المسؤولة بأنهم لا يساعدون هذه الفئة، وهم يساعدون أصحاب البيوت المتهدمة، أو التي تعرضت للكوارث، أما الذين في مثل حالتي فهم ليسوا ضمن بنود المساعدات، ثم قالت لي باستهزاء: نحن لسنا الشؤون كي نساعدك. أردت أن ألكمها على وجهها، فكيف جعلتني ألف وأدور وأحضر أوراقاً عجيبة وغريبة طلبوها مني، ثم بعد كل تلك البهدلة، يكون هذا هو جوابها، لم أفعل ما كنت أفكر به معها، وجرجرت نفسي خارجة من عندهم، وكان الإحباط والإنكسار والشعور بالذل والقهر تملأ قلبي.
كنت في السيارة استمع إلى برنامج البث المباشر، فاتصلت امرأة وهي تمر بنفس ظروفي تقريباً، مطلقة وغير قادرة على دفع الإيجار وليس لها سكن، وهي تختلف عني كونها موظفة، فقلت في نفسي: يبدو إن المشكلة لا تتعلق بكون المرأة موظفة أم لا، ولكن المشكلة الحقيقية هي الحصول على السكن، فالإيجارات المرتفعة لا تعطي مجالاً للتكيف، وعدم حصول المرأة على السكن الحكومي بالسرعة المطلوبة يعرضها لمواقف صعبة هي وأولادها. الحاجة المادية هي أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان، والدين أثقل من الجبال، لا يمكن أن تتخيلوا كيف أعيش؟ وكيف أسير أموري؟ في هذا الزمن الصعب، معظم الأسر يعمل فيها الزوجان سوياً ولا تكفيهم رواتبهم، فكيف يعيش أمثالنا من المطلقات والأرامل وهم يعتمدون فقط على مساعدات الشؤون؟ كل الصعوبات يمكن تحملها، يمكنني تسيير الأمور المادية بشكل طيب فقط لو كنت بلا ديون، ولو كان لي منزل خاص بي بلا إيجار وبلا ديون.

رجل في سجن النساء

أحمد محمد، القاهرة - رفعت الجلسة بعدما أصدر القاضي الأحكام في القضايا التي كانت منظورة امامه، وحكم بمعاقبة «سمر» البالغة من العمر واحدا وعشرين عاما بالحبس سنة مع النفاذ. سالت دموعها وهي تستند على اسلاك قفص الاتهام الذي اختلطت فيه الإدانة بالبراءة.. والزغاريد بالصراخ والتهاني بكلمات المواساة وكل يبكي على ليلاه ولا يعنيه إلا أمره. انصرف القضاة والجمهور والمحامون، ولم يبق الا هؤلاء الذين جمعهم قفص الاتهام ومنهم من تمت ادانته ومنهم من تمت تبرئته وسيتم تقسيمهم إلى مجموعتين الاولى سيتم ترحيلها الى السجون والثانية يتم اتخاذ الاجراءات لاطلاق سراحهم.
وتم ايضا تقسيم المدانين الى مجموعتين، الاولى من الرجال ليتم نقلهم في سيارة معا. والمجموعة الثانية من النساء في سيارة معا. ووقف الشرطي يتلو اسماء المتهمات ليتم ترحيلهن إلى سجن النساء. كانت «سمر» من بينهن وتم وضعهن في سيارة الشرطة التي يطلق عليها اسم «عربة الترحيلات» التي تتولى نقل المحكوم عليهم والمتهمين بين المحاكم والسجون وانطلقت السيارة بعد إحكام اغلاق ابوابها ولم يبق منها غير تلك النوافذ ذات الاسلاك الضيقة التي بالكاد تسمح بدخول الهواء للتنفس.
في المقعد الامامي بجوار السائق جلس ضابط الشرطة المسؤول عن هذه المهمة وبين يديه ملفات المتهمات وبدأ يعيد فحصها للمزيد من التأكد من الأعداد وأن لكل واحدة ملفها المستقل الذي يحتوي على كل المعلومات عنها وعن اتهاماتها والتحقيقات التي أجريت معها في قسم الشرطة والنيابة. والقرارات التي صدرت بشأنها وأخيرا الحكم ضدها. وفي لحظات معدودة انتهى من مراجعة الملفات ووضعها جانبا في حقيبة جلدية مفتوحة. ومن قبيل التسلية التقط احد الملفات ليتصفح اوراقه ويطالع وقائع القضية التي تقول انه منذ عدة اسابيع ألقي القبض على «سمر» فتاة حضرت من إحدى القرى الى القاهرة وتم ضبطها اثناء قيامها بسرقة بعض الاشياء الخفيفة بأحد المراكز التجارية وهي متلبسة بالجريمة والمسروقات ادوات ماكياج وزينة خاصة بالسيدات بجانب بعض الروائح والكريمات والمساحيق. وتم تحرير محضر لها ولم تستطع الانكار وفي تحقيقات النيابة اعترفت بسرقة هذه الأشياء كي تبدو جميلة مثل باقي الفتيات اللاتي في عمرها وانها لا تملك ما تشتري به مساحيق التجميل فاضطرت للسرقة وهي تعتقد انه لن يراها احد وامرت النيابة بحبسها واحالتها إلى محاكمة عاجلة وأخيرا صدر الحكم بحبسها لمدة سنة.
وأغلق الضابط الملف وهو يصدر ضحكة ساخرة ذات مغزى. اذ رأى ان الفتاة ضاع مستقبلها بسبب اشياء تافهة لا قيمة لها. اصبحت متهمة وسجينة وستقضي عاما كاملا من عمرها خلف القضبان، كان بينه وبين نفسه مشفقا عليها رغم انه لا يعرفها لكنه لا يملك ان يفعل لها شيئا ولابد ان تأخذ العدالة مجراها، واغلق حقيبة ملفات السجينات وراح يتابع مشاهد الاشجار والبيوت والزراعات على جانبي الطريق.
بعد حوالي ساعتين توقفت السيارة امام بوابة سجن النساء الرئيسية المغلقة دائما وامامها الحراس بأسلحتهم. واخرج الضابط الأوراق الثبوتية والأحكام وتم فتح الباب لتدخل السيارة الى باحة السجن الواسعة واحاط بها عدد كبير من الضباط والضابطات والسجانات والحراس. وتم انزال المحكوم عليهن لتسليمهن لإدارة السجن والتوقيع بالاستلام وتوزيعهن بعد ذلك على الزنزانات حسب الاتهامات والاحكام الصادرة ضدهن.. لكن بعد اتخاذ الاجراءات المعتادة واهمها تفتيش كل سجينة ذاتيا.. وتسلم الاشياء الخاصة بها للاحتفاظ بها في الأمانات إلى ان يتم الافراج عنها بعد قضاء مدة العقوبة ثم تقوم طبيبة السجن بفحص كل واحدة بمفردها للتأكد من أنها انثى وعندما تقدمت «سمر» ليتم الكشف عليها فزعت الطبيبة واحمر وجهها، كادت تصرخ من هول المفاجأة اذ وجدت نفسها امام حالة غريبة «سمر» تحمل وجه فتاة وجسد انثى كاملة الأنوثة وترتدي ملابس نسائية.. وفي نفس الوقت لها عضو ذكري وخصيتان ولابد ايضا انها رجل.. وبمعنى ادق «خنثى» لكن امام هذه الأعضاء الذكرية لا يمكنها الموافقة على تصنيفها «أنثى» ولا تأمن وضعها وسط هذا الحشد من السجينات فخرجت للضابط تخبره بهذه المفاجأة وثبتت في الأوراق نتيجة الفحص ومن ثم ترفض ادارة سجن النساء قبول «سمر» لأنها ذكر.
لم يجد الضابط امامه الا ان يعود بالمتهمة مرة اخرى وهو لا يكاد يصدق ما يحدث فرغم سنوات عمله الطويلة فإنه لم يصادف مثل هذه الحالة بل انه لم يسمع عن شيء كهذا ولا حتى في الافلام لكن الآن عرف لماذا سرقت «سمر» أدوات الماكياج والمساحيق فبعدما انكشف المستور أمعن النظر في وجه «سمر» فوجد انه لا يخلو من اثار بعض الشعيرات تم التخلص منها خاصة في الذقن بل ان يديها واصابعها لا تدل على شكل اطراف انثى. اصبح في حيرة لا يدري ان كان خلال هذه الظروف سيتعامل معه كرجل أم كأنثى، لا يعرف ان كان هذا المخلوق يجب ان يكون شابا ام فتاة، لكن في اغلب الظن انه طالما يرتدي ملابس أنثوية وسرق هذه الاشياء فلابد انها تميل الى عالم النساء.. وبعد هذه الحيرة رأى ان يكون اهتمامه محصورا في انهاء مهمته واتجه نحو عمله ليخطر رؤساءه بما حدث وتم تغيير مسار وطبيعة المهمة وتعديل الاتجاه وانطلقت عربة الترحيلات إلى سجن الرجال لإيداع «سمر» فيه بعد هذه المستجدات واعتقد الضابط ان هذه المشقة في طريقها إلى الانتهاء مع نهاية اليوم اذ اقتربت الشمس من المغيب والنهار يلفظ انفاسه الاخيرة وعندما توقفت العربة امام سجن الرجال لاتخاذ نفس الاجراءات التي تم اتخاذها في سجن النساء كانت المفاجأة اكبر وازدادت الامور تعقيدا عندما رفضت ادارة السجن ايضا قبول «سمر» لاسباب وجيهة فهذا السجن للرجال وهم يرون امامهم انثى في ثياب نسائية وفتاة كاملة الانوثة والأهم من هذا كله أنه ثبت من أوراقها الرسمية انها «انثى» ولا يستطيع احد ان يتحمل المسؤولية ويوافق على قبولها لتكون نزيلة في سجن الرجال وان تقرير طبيبة سجن النساء بأن المتهمة «رجل» ليس كافيا وحده لاتخاذ هذا القرار.
وهكذا لم يجد الضابط مكانا للمتهمة المحكوم عليها في سجن النساء ولا في سجن الرجال، ولم يكن هناك مكان ثالث يمكن ان يتوجه بها اليه وعاد بها الى سجن الترحيلات، حيث تم التحفظ عليها في غرفة انفرادية بعيدا عن النساء وعن الرجال لأنها لا تنتمي الى أي منهم وفي الصباح حمل جميع الأوراق وملف القضية الى النيابة العامة مصحوبة بمذكرة توضيحية عن الاحداث التي وقعت بالأمس وما ذكرته طبيبة سجن النساء في تقريرها ورفض السجنين استقبالها وجاء قرار النيابة بإحالة «سمر» الى مصلحة الطب الشرعي لفحصها وبيان نوعها وحسم ما اذا كانت ذكرا أم انثى وحتى يصدر الرأي الطبي العلمي الحاسم ليس أمام «سمر» الا الانتظار في محبسها بالغرفة المنفردة! فبعدما كانت تعاني من رفض المجتمع لها وجدت السجون ترفضها أيضا.. وصفت وجهها بين كفيها وبكت.. إنها تريد سجنا خاصاً.

اقرأ أيضا