الاتحاد

الملحق الثقافي

بعيداً عن اضطهاد المعنى.. والمخيلة

ربما لو أن المزاج والطبع والتكوين الثقافي وطبيعة الشخص أيضاً، قدّرتْ، جميعاً، لعلي جعفر العلاق الانخراط في بؤس “البربوغندا” الشعرية الراهنة في العالم العربي.. ربما لغدا الآن واحد من ألمع الشعراء حضوراً في المؤسسة الصحفية العربية التي تتحمل بدورها نصف المسؤولية الأخلاقية والأدبية، على الأقل، تجاه هذه الصخور الكبيرة التي تلقى يومياً في مجرى نهر الشعر العربي يومياً.
مناسبة هذا القول هو صدور ديوان جديد للشاعر علي جعفر العلاق الذي يعيش، بوصفه شاعراً، عزلة أنيقة ومضاءة من ذلك النوع من العزلة المفتوحة على الرياح والضوء. حمل الديوان العنوان: “هكذا قلت للريح” وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 104 صفحات من القطع المتوسط، وهو الديوان العاشر في تجربته الشعرية إلى جوار عدد من الأطروحات النقدية المتميزة التي كرسته ناقداً حصيفاً في الوسط الأكاديمي العربي، لكنها لم تنافس موقعه كشاعر متميز عراقياً وعربياً ويملك مزاجاً شعرياً خاصاً وثقافة شعرية رفيعة، بحسب ما يجيء في كتبه من قول شعري يشير إلى جملة من المشاغل والاهتمامات التي جعلت شعره يشق درباً بعيداً عن الراهن الشعري العربي بصوت مدرّب على الصمت كما لو أنه وجه البحر ذات يوم صيفي رائق، إن جاز التعبير، لكنه يمور في أعماقه بقلق معرفي وإنساني شفيف ونادر.
لا حاجة للمرء أن يكون قريباً من شخص علي جعفر العلاق ليكتشف هذا المر بل يكفي أن يقرأ ديوانه هذا ويقرأ في ما بين سطوره أيضاً ليكتشف الشخص ذاته، وهذا الأمر نتاج نزاهة مع الذات أولاً في الأمر الشعر ونزاهة مع الشعر في صفائه لذاته وفي التساؤل العميق حول جوهره المتحول الذي لا يطاله إلا الريب، الذي هو نتاج تأمل.
في هذا الكتاب “هكذا قلت للريح”، تبدو العزلة فكرة أساسية وجامعة للقصائد، بل ربما أن هذه القصائد هي كلها نتاج تأمل في العزلة وفي مكوناتها وإن اختلفت المسميات، وذلك بدءاً من العنوان نفسه بدلالاته ذات الصلة بالمعنى وقبل ذلك بإحالاته النفسية، فأن يقول المرء شيئاً للريح فهذا يعني أن القول سيذهب بددا ويفنى، في حين أن كتابة الشعر، إجمالاً، هي نوع من مقاومة الإنسان لفكرة الفناء بحسب ما تشير إليه التجربة البشرية في مختلف الثقافات في العالم.
في أية حال، فإن هناك عناية شديدة يويلها الشاعر لعلاقة عنوان القصيدة بمضمونها، إنما ليس المضمون المباشر بل المضمر والخفي والذي يتسرب إلى أعماق قارئه فيتخيل لوهلة أنه هو ذاته الشخص السارد في القصيدة ليفيق من غيابه هذا متأكداً أن هذا القول الشعري هو لعلي جعفر العلاق لا سواه. يقول في قصيدة “حبر الإله”:
“إلى أين تمضي؟
مضت
كل ريح إلى نومها، ومضى
ومضى كل ليل إلى منتهاه ..
وها أنتَ،
أقصد: مَن أنت؟
شيخٌ يحدّق في بئر أيامه،
ثم ينهض:
ضوء التوابيت
يقتاده، أم هتاف
المياه؟
وها أنت
أقصد: ما أنت؟
دبّابة تتقيأ
عند المسلة مجهدةً،
وتشمّ بأظلافها السود
حبرَ الإله ..”
وكما في أغلب قوله الشعري، لا يضطهد القول الشعري هنا في “هكذا قلت للريح” المعنى فيحصره في تأويل واحد لا يقبل التأويل ولا يضطهد التأويل مخيلة القارئ فيفسح له مجالاً أن يحيا مع القصائد وكأنه الشخص السارد فيها، قيلتقي شخصان في أفق التلقي كما لو أن أحداً ما يرى نفسه في مرآته هو. هذا هو شعر علي جعفر العلاق، أفسحوا الطريق.

اقرأ أيضا