الاتحاد

الملحق الثقافي

ونفق آخره منعطف جديد

منذ سنوات كان بعض الأدباء في الإمارات يجدون صعوبة في النشر، وخاصة لتجربتهم الأولى، لكن اليوم يجد الأدباء والموهوبون جهات متعددة لنشر أعمالهم، سواء أكانت هذه الجهات محلية أم اتحادية، ومن خلال التقدم للجهة بطلب لنشر العمل أو من خلال المسابقات الثقافية، مما أدى بطبيعة الحال إلى نشر بعض النصوص الضعيفة، وقد تكون هذه النصوص قد رفضتها إحدى الجهات في حين رحبت بها جهة أخرى تطمح إلى تشجيع الأقلام الجديدة، وإلى أن تحقق الرقم الذي حددته للنشر في خطتها السنوية دون تدقيق كبير لمستوى الأعمال.
وهذا يطرح إشكالية مهمة، وهي تتعلق بالكم والكيف، فهناك وجهة نظر ترى أن التجربة الأدبية في الإمارات بحاجة إلى هذا الكم وأن الأقلام الموهوبة هي التي ستبقى، غير أن وجهة النظر الأخرى ترى أن المؤسسات الثقافية عليها أن تحافظ على مستوى جيد للأعمال الأدبية، وأنه يجب ألا تتهاون في ذلك، من خلال اختيار لجان تحكيمها ممن لديهم خبرة في الكتابة الأدبية، ولديهم شيء ولو يسير من الصرامة لتغليب الإبداع على المجاملات.
والأمر مازال متأرجحا بين وجهتي النظر السابقتين، وهما واقع نراه في الإمارات، ويتجلى ذلك في معارض الكتاب حيث تتباهي بعض الجهات الثقافية الإماراتية بالكم الكبير الذي أصدرته لكتاب إماراتيين رغم التفاوت الشديد في المستوى الفني بين هذه الأعمال، وتبرز جهات أخرى أصدرت عددا قليلا من الأعمال لكنها تفخر بتميز مستوى أعمالها، وما ستتركه من أثر في المشهد الأدبي. إنها تراهن على الأصوات الجديدة والجيدة التي احتضنتها، رغم أن ذلك المسؤول قد عض كثيرا على شفتيه، وتمنى أن توافق لجان التحكيم على أكبر قدر من الأعمال، لكنه انحاز للإبداع وللكيف على حساب الكم.
إن الأدب في الإمارات بحاجة إلى أن ينحاز دائما إلى الإبداع، والمواهب الجديدة تماما التي لم تنشر أبدا أي نص بحاجة إلى أن تسمع وأن يسمعوا آراء الآخرين، من خلال الصفحات الثقافية ونادي القصة باتحاد كتاب وأدباء الإمارات. وهنا لابد أن أذكر الروائي والقاص السعودي عبدالله بخيت، الذي يقول عن روايته “شارع العطايف”: “هذه ليست روايتي الأولى ولكنها روايتي الأولى التي أنشرها في كتاب.
كما أنها ليست روايتي الأولى التي أنشرها فقد نشرت روايات قصيرة في أزمنة مختلفة في الجرائد”. أكتب هذا وأتذكر استسهال بعضهم في الكتابة الأدبية بحثا عن الريادة في حقل معين، فجاءت تجاربهم متواضعة جدا، لأنها دون تجارب حقيقية ولا خبرة في الفن ولا الحياة. إن التردد والتأني ليس أمرا سلبيا دائما، لأن نظرة المبدع لعمله بعد فترة قد تجعله يعيد النظر فيه بشكل كامل، أو قد يعدل فيه بالحذف أو الإضافة. لكننا هنا في الإمارات على موعد دائم بمفاجآت كثيرة بظهور أسماء لم نقرأ لها أبدا ولو مقالة قصيرة تنشر رواية أو خلال أعوام قليلة نجد لها إصدارات كثيرة.
إن الكتابة الجادة والمتميزة تحتاج إلى مران مستمر وإلى إعادة نظر دائمة، وقبل هذا كله القراءة أولا وأخيرا في الفن ذاته وفي الإنتاج الأدبي المرتبط به، ولاسيما التجارب الأدبية البارزة على المستوى العربي والعالمي؛ لأن ذلك يضمن للأديب مستوى فنيا مقبولا، ويساعده على تلمس مسار خاص به، ولا يتبع فيه آثار الآخرين.
لقد أثارت رواية “شارع العطايف” لعبدالله بخيت جدلا كبيرا بين النقاد والمثقفين في المملكة العربية السعودية، فهناك من يرفع من قدرها ليجعلها انعطافة جديدة وبداية لمرحلة أخرى في المشهد الروائي السعودي، وهناك من يحط من قدرها ولايحكم عليها إلا من جانب أخلاقي بحت، ويرفض ما تصوره عن عالم المهمشين ممن يعيشون في قاع المدينة.
والرواية متميزة في التقنية الأساسية التي تعتمد عليها، واستطاعت أن تصور صراع الشخصيات مع مصائرها. ويهمني هنا أن أتوقف عند جانب مهم فيما فعله الروائي عبدالله بن بخيت، ألا وهو تأجيله لمشروعه الروائي هذا أكثر من خمس عشرة سنة على الأقل، رغم أنه كان يستطيع أن ينشر رواية منذ السبعينيات، غير أنه تمهل وتأنى في النشر، لأنه يؤمن بفضل المران المستمر من خلال القصة القصيرة والزواية التي كان يكتبها، فليس المهم أن يكون الشخص رائدا على حساب الإبداع، لكن من الأهم أن يترك بصمة مميزة، ليصبح رائدا لمنعطفات جديدة.

اقرأ أيضا