الاتحاد

الملحق الثقافي

3 شعراء يدخلون بلاد القصيدة السحرية

ثلاثة شعراء يلتقون ليقرأوا تجاربهم في كتابة القصيدة الحديثة، قصيدة النثر حيث تتشابك المفاهيم مع تداخل التراكيب التي تبني مضامين تلك القصائد. ثلاثة شعراء، يحملون رؤى مختلفة تماماً ويختلفون ولا يلتقون إلا عند عتبة ما يطلق عليها قصيدة نثر. هم خلود المعلا من الإمارات وسامر أبو هواش من لبنان ويوسف رخا من مصر، وقد نسأل هل أن ما يكتبه هؤلاء الشعراء يختلف في البنية والموضوعة، وإلى أي مدى يكون ذلك الاختلاف، منهم من يرى أن قصيدة مصر تختلف عن قصيدة لبنان تلك في ميلها للحكي والسرد وهذه في توخيها الاختصار والإيجاز، أما قصيدة بلاد الشام فهي تعبيرية كذات إطار من الإيحاءات العالية، لكن قصيدة العراق تأخذ منحى مختلفاً كونها صادمة النهايات اللامتوقعة، ذلك مفهوم قابل للنقاش والحوار حيث طرح سؤال الاختلاف على سامر أبو هواش فارتأى هذه القراءة.

نحن نتقاطع لكننا نلتقي، نتقاطع في المفاهيم لكننا نلتقي عند جماليات قصيدة النثر، ومن لا يقدم جمالياته تميل الوجوه عنه، هؤلاء شعراء ثلاثة، جاءوا بأجمل ما لديهم ليقرأوا في قاعة منبر الشعر في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته العشرين والمنعقد الآن على أرض المعارض بأبوظبي.
وحين نصف الأمسية لابد من أن نقدم النساء الشواعر المجيدات حقاً إكراماً للشعر وللمرأة، حيث قرأت خلود المعلا 13 قصيدة قصيرة وهي “شاعرة غير استثنائية” و”حرة تماماً” و”خط العودة” و”بجناح واحد” و”محبتي دائمة” و”ارتطام مختلف” و”هجرة سوداء” و”شتاء الجسد” و”لغة البحر” و”قراءة كف” و”وجع مستديم” و”نكهة خاصة بنا” و”بيضة”، وجميع هذه القصائد يضمها ديوانها “ربما هنا” الصادر عن دار الفارابي عام 2008.
تقول في قصيدتها “حرة تماماً”:
أمارس شغفي بعرض السماء
هكذا حرة تماماً
أنظرُ من نافذتي الضيقة
فأرى الكون كاملاً
تتجلى أسراره الكبرى
هكذا
حرة تماماً
الوّن تفاصيلي الصغيرة بلون الثلج
أتصالح مع اللحظة التي تدخلني لذة الأشياء.
ولتصالح خلود المعلا مع نفسها في هذه القصيدة غير أنها تتلذذ بالأشياء التي تمنحها اللذة فتستطيل روحها لتخلق لنفسها عالماً بعيداً عن الوجع فتكمل:
من نافذتي الضيقة أُطِلُّ
أُنعم في التمدد
وسمائي مبللة بالحياة
أمارس ولعي بقطف ثمار وجودي
عاريةً من الصمت المفرط حولي
حرة تماماً
كي لا أكتمل
ولأن صوت خلود المعلا واضحاً فإنها تتواصل لتقديم هذه النبرات إلى السامع بثقة فتقرأ من قصار قصائدها التي اعتمدت فيها التكثيف في اللغة والشعرية والوصف والبناء فتقرأ “خط العودة” التي تقول فيها:
أميل بروحي أحياناً توجُّساً من أرقي
استندُ إلى ما لا أراه من وميض الروح
اقترف حلماً عوالمه لا حدّ لها
أحرّك جسداً في الخفاء
اجتاز الحدود التي يرتبها الآخرون
اتعدد في المرايا
كي لا أكون وحدي
ارسم خط العودة
فاجدني خارج المكان
وتقوأ خلود المعلا قصائدها القصار الأخرى التي اختارتها لتكون مرآة لكثافة شعرها حيث نجدها تقول في قصيدة “محبتي دائمة”:
مازلتُ أحبه
ولأنني كذلك
اطلقت طيوره للفضاء
واكتفيت بالفراغ الذي خلقته
من جهته قرأ سامر أبو هواش مجموعة من قصائده الأخيرة وهي “المتأخر” و”التوائم” و”الرجل الذي يتأمل الوجوه” و”الوحيدون” و”مصالحة” حيث بدت قصيدة المتأخر استيحاشية، حاول أبو هواش أن يبني جواً شعرياً يحيط بكل جزئيات عالمه الشعري هيمنت عليه سردية عالية حيث يقول:
واقفاً هناك
في الهايبر ماركت
تفكر في شراء ساعة جديدة
ولماذا منذ سنوات لم تشتر ساعة جديدة
وفي الحظ تفكير في الحظ أيضاً
وفي شراء حظ جديد
وفي ثلاث ساعات تحتسي بها فنجان قهوة
على رصيف بارد تقريباً
وفي العتمة التي تهبط الآن بالتحديد
كعملية جراحية
ونشاهد في النص السابق ظاهرة التكرار “الحظ - 3 مرات” و”وفي - 5 مرات” و”جديد - 3 مرات”.
وهذا النمط جزء من بنية القصيدة النثرية التي تعمد إلى تكريس الجو الشعري لبناء عالم يعتمد على السرد والوصف بالتناوب.
أما في قصيدته “الرجل الذي يتأمل الوجوه” نقرأ:
لابد من أن يخرج في النهاية بنتيجة ما
رجل مثلي
لا يتعب من تأمل الوجوه
لا لأنه يحب ذلك
لكنه سرّ ما
يجعله لا يكف عن تأمل الوجوه
التي يعرف
أنها
في نهاية الأمر
لن تقول شيئاً
وليوسف رخا كما يقول ترجمات لقصائده للإنجليزية حيث ترجم بنفسه 3 قصائد من قصائده، كان ذلك رداً على سؤالنا للشاعرين كونهما مترجمين أيضاً فهل يمكن لهما أن يتعاملا مع قصائدهم بالترجمة في ذات الوقت الذي يبدعان تلك القصائد.
يرى يوسف رخا أن لا ضير في ذلك وربما هو أفضل من أن يترجمها غيري - بحسب قوله - لأنه يعرف ماذا يريد في مجاز القصيدة واستعارتها كونها قصيدة نثر تحتمل المجاز - صنف بلاغي للنثر - والاستعارة كونها - صنف بلاغي للشعر.
قرأ يوسف رخا من قصيدته الطويلة ثنائي الأبعاد، أو المنمنمة التي ابتدأها بنص صغير للشاعر العراقي الراحل سركون بولص.

اقرأ أيضا