الاتحاد

الملحق الثقافي

نفائس الكتب والمخطوطات بملايين الدولارات

لم تدلني اليافطات ولا الأسهم، التي تصافح عيون القارئ أينما اتجه في معرض أبوظبي الدولي للكتاب، على معرض الكتب والمخطوطات النادرة.. بل دلَّني على بُغيتي قلة من الرواد تجمهروا أمام أجنحة المعرض الذي يعتبر أكثر فعاليات معرض الكتاب فائدة على المستوى المعرفي، إذ يحتوي نفائس الكتب والمخطوطات والخرائط والوثائق، أحضرها جامعو الكتب من شتى أنحاء الأرض ليعرضوها أما عشاق الكتب والمكتبات الباحثين عن اقتناء الروائع والنفائس والمعارف النادرة.

هنا.. أنت أمام قرون من الثقافة والتاريخ ومسيرة العقل البشري مع الكتاب المطبوع.. وما دام الأمر كذلك فلا بد أن تتوقع مشاهدة وثائق قيمة، ولن تخيب توقعاتك أبداً. وما دمت أمام وثائق تتميز بالندرة والفرادة يصبح مفهوماً أن تسمع أو تقرأ أرقاماً بمئات الآلاف بل بالملايين. وربما يأخذك العجب والدهشة وتشعر برغبة ملحة في ان تتفرس في هذه النوادر، خصوصاً إذا رأيت أحدهم يرفع حاجبيه دهشة، متمتماً أن المعرفة باتت أغلى مما يتوقع المرء.
إشارة لافتة تومئ إلى القيمة الهائلة التي تملكها المعلومات في هذا العصر، ناهيك عن أن هذه الأرقام تثبت مرة أخرى أن الوثيقة خاصة العلمية منها تصبح أكثر أهمية يوماً بعد يوم. فها هو الهولندي جيرووم شيرنبيرغ يعرض مجموعة نادرة من أهم المطبوعات المتخصصة في التاريخ الطبيعي والرحلات والعلوم، لكن الأهم أنه يقدم عرضاً لتأسيس مكتبة للنوادر بقيمة ثلاثة ملايين وأربعمئة ألف دولار أميركي. فيما يضع البريطاني برنارد كواريتش أمام ناظريك نسخة من المؤلف الشهير “القانون في الطب” لابن سينا بسعر 257 ألف دولار أميركي، أما فيتشريك من فيينا فلديه ثروة من الكتب التاريخية القديمة وبعضها هي النسخة الوحيدة الموجودة، منها موسوعة الطيور الفاخرة والنادرة “زولوجيكا بريتانيكا” لتوماس بينانت برسوماته الرائعة والمطبوعة بين عامي 1771 و1778م، بسعر 125 ألف دولار أميركي، وما هذه الأرقام إلا غيض من فيض.

شغف لا يخفى
لا يخفي فيتشريك شغفه بجمع الكتب القديمة وما يشعر به من المتعة في هذا العمل. ويؤكد أن عشقه للكتب هو ما قاده الى إكمال هذا العمل العائلي الذي تتوارثه العائلة جيلاً عن جيل. ويقول إن سعادته لا توصف حين يحصل على كتاب نادر او مخطوطة مطبوعة في قرون سابقة.
وفي جناحه مجموعة من الكتب القديمة منها رحلة الى القدس تعود الى 1596 تصور مساجد المدينة المقدسة وكيف كان الحياة تبدو فيها في القرن الخامس عشر، ورحلة الى مكة تعود الى العام 1989 وكل منهما هي النسخة الوحيدة الباقية، حسب قوله.
يطارد فيتشريك الكتب في كل مكان، ويجمعها من المعارض وجامعي الكتب والناس وعبر الانترنت التي يقول إنه وجد فيها فرصة مناسبة للتعريف بممتلكاته وعرضها ونشر المعلومات عنها، لكنه لا يبيعها إطلاقاً فهذه الكتب الغالية لا تباع عبر الإنترنت.
ويعتقد فيتشريك أن الاهتمام بهذه النوعية من الكتب يبدو مبشراً بالنسبة لمنطقة الخليج بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام، وربما يكون الاهتمام في المستقبل أكبر.

أطلس بطليموس
مشاركته الإيجابية في معرض أبوظبي الدولي للكتاب في العام الماضي وما خرج به من خلالها من خبرة جيدة دفعت هيسلينك الى المشاركة مرة ثانية في معرض هذا العام. وإلى جانب الكتب القديمة والفريدة تضم مجموعته كتباً جديدة مطبوعة طباعة استثنائية وبطريقة فاخرة ذات فنيات عالية، مثل أطلس العالم الذي يتكون من ثمانية مجلدات ضخمة جداً مرصوصة أفقياً في خزانة خشبية، ومكسوة بغلاف من الجلد ويبلغ سعره 65 ألف يورو. أما مجموعته من الكتب القديمة فتشتمل على الكتاب المقدس وأول كتاب طبع مزيناً بالرسوم، علاوة على مخطوطات عربية تعود الى الفترة الأندلسية، والصقارة في القرن التاسع عشر، وكتاب للمتصوف الكبير جلال الدين الرومي ونسخة قديمة جداً من أطلس بطليموس يقدر سعرها بـ 250 ألف يورو وكتب أخرى.
كتابة على الجلد
من التشيك جاء رودولف كلوفسكي يعرض كتبه النادرة المصنوعة من الجلد (كلهم كانوا يذكرون بفخر أن كتبهم مطبوعة على جلد وليس ورق عادي). تجذبه الكتب القديمة للكتاب المقدس وبكل اللغات، لكنه متخصص على نحو أكثر دقة في كتب القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. يجمع كتبه من كل مكان لا سيما من جامعي الكتب القديمة والمكتبات العريقة.
ومثل زميله لا يبيع كلوفسكي الكتب على الإنترنت، ويكتفي بعرضها فقط، أما الاتفاقات فتتم مباشرة. وتعكس كتبه الطريقة التي كان يطبع فيها الكتاب المقدس في القرون القديمة، حيث تحفل برسومات عن قصة الخليقة والهبوط من الجنة، وحواء وآدم وغيرها، وهي مفيدة جداً للمتخصصين والباحثين في دراسة الأديان.

مذكرات حية
يعمل الفرنسي جون فرانسوا لوتينيير في هذا المجال منذ عشرين سنة، حيث عشق الكتب القديمة والنادرة خاصة كتب الرحلات منذ كان طالباً في الجامعة، وبعد تخرجه قرر ان يعمل في جمعها. ويبدي لوتينيير حماسة واضحة وهو يتحدث عن الكتب التي يعرضها، وأنه سعيد لأن تتحمس دولة عربية لهذه النوعية من الكتب، وهذا ما دفعه الى المشاركة في المعرض.
ومن بين الكتب التي يضمها جناحه كتاب في التاريخ يعود إلى 500 سنة سبقت، كتبه مؤلفة ليعلم ولي عهد فرنسا تاريخ العالم القديم وتاريخ فرنسا وأوروبا تحديداً، والنسخة الموجودة لديه هي واحدة من ثلاث نسخ فقط، ومطبوعة على الجلد، أما النسختين الأخريين فهما من مقتنيات مكتبة باريس الوطنية، ما يعني أن نسخته هي الوحيدة المتوفرة للبيع.. ومن الطريف أنه يعرف الرحلة التي قطعها الكتاب بين المكتبات المختلفة، ويبلغ سعر هذا الكتاب النادر 198 ألف دولار.
ومن كتبه أيضاً رحلة لصحافي أميركي أرسل ليكون أول ممثل للولايات المتحدة الأميركية في زنجبار ولم يكن عمره يزيد عن 25 عاماً.
وقد زار الخليج ومرّ في مسقط وكتب عنها وعن عاداتها وأزيائها، كما تحدث في مذكراته (مازالت بخط اليد) عن القرآن الكريم بشكل إيجابي. وبسبب مرضه قرر هذا الصحافي العودة إلى بلاده لكنه مرض على السفينة ودفن في البحر، لكن مذكراته التي يبلغ سعرها 25 ألف دولار بقيت حية تروي سيرة شاب مضى مبكراً.

كنوز عربية
من بريطانيا جاء برنهارد كويرتش ليعرض ممتلكاته في حقول الإسلاميات، والعمارة، العلوم، الطب، الأدب العالمي، الرحلات، الموسيقى، السياسة وأوائل الكتب والمخطوطات التي طبعت، ومنها: رباعيات الخيام التي تعود الى العام 1859، وكتاب كافية لابن الحاجب طبعة روما، وأول كتاب يحمل الحروف الأبجدية العربية مطبوعة، والأجرومية في النحو وثلاثتها طبعت في العام (1952)، وهناك مخطوطة مهمة جداً هي الوحيدة في العالم بعنوان المقصور والممدود لابن القوطية تعود الى عام 650 هجرية وثمنها 32 ألف دولار.
أما أقدم الكتب التي يضمها الجناح فهو كتاب القانون لابن سينا المطبوع سنة 1483.
و”القانون في الطب” من أشهر كتب الطب الإسلامية وأهم كتب الشيخ الرئيس الحسن بن سينا وأكبرها حجماً. وقد حظي بشروح وتلخيصات عديدة، وترجم الى غير لغة أجنبية، فقد ترجمه جيرار دو كريمون إلى اللاتينية لأول مرة بين عامي 1150 ـ 1187م وأعيدت ترجمته بعدها 87 مرة إلى اللاتينية والعبرية. وكان من أوائل الكتب التي طبعت مع اكتشاف الطباعة، فلقي انتشاراً واسعاً الى حد أنه طبع 16 مرة في القرن السادس عشر. ويعترف كثير من الأوروبيين بأثره الكبير على التقدم العلمي في حقل الطب في أوروبا، إذ بقي “القانون” يدرس لفترة طويلة، وظل المرجع العام للطب ستة قرون كاملة. وبلغ من أهميته أن البابا كلمنت الخامس وافق سنة 1309م على أن تكون كتابات ابن سينا والرازي ضمن الكتب التي يجب أن يمتحن فيها الطالب إجبارياً للحصول على إجازة الطب من جامعة (مونتبليه).
ويقال إنه كان في المكتبة الأهلية بباريس جوهرتين ثمينتين هما كتاب جالينوس في الطب العام وكتاب القانون لابن سينا!. وبعد... لا شك في أن محتويات المعرض هي كنوز ونفائس تجسد خلاصة العقل البشري، وتعكس نوعاً من العراقة المعرفية – إن جازت العبارة – تأخذك الى عوالم تحمل إلى جانب المتعة الكثير من الدهشة والغرابة، وتخلق أسئلة كثيرة عن المكانة (المقدسة) التي يحتلها الكتاب عند هذه الشعوب، وحين تتذكر حال الكتاب العربي تشعر بوخزة مؤلمة سرعان ما يذيبها أن ثمة مدينة عربية ما، في يوم ما، في سنة ما، في قرن ما، تمكنت أن تقرأ أهمية الكتاب/ الوثيقة، فأقامت له معرضاً لعل شيئاً من هذا الوعي يتسرب الى المتلقي العربي.

3.5 مليون دولار تبني مملكة المعرفة


أهم ما يلفت النظر في هذا المعرض، رغم أنه لافت بالإجمال، العرض الذي يقدمه جيروم شيرينبيرغ الذي ورث دار النشر العريقة عن والده ديتيير شيرنبيرغ، وهي متخصصة في التاريخ الطبيعي والعلوم، وتعتبر الأكبر عالمياً في هذين الحقلين. أما العرض الذي يقدمه بقيمة حوالي 3.5 مليون دولار أميركي فهو بناء مكتبة مؤسسة فريدة وشاملة لأسس العلوم الحديثة، تجمع النسخ النادرة لمعظم الدوريات العلمية منذ 1665 ولغاية القرن الحالي، يصفها بأنها كنز فريد من الاكتشافات والتجارب والمعرفة البشرية. لا يجد شيرنبيرغ أن المبلغ باهظ، ومعه كل الحق، فالدوريات تشمل الفيزياء، الرياضيات، الكيمياء، الأحياء، الطب بكل فروعه (علم الجينات، الكيمياء الحيوية،بحوث الدماغ، الصيدلة، الفيزيولوجيا... وغيرها)، وعلوم الأرض بما في ذلك الجيولوجيا أو علم طبقات الأرض، والمينرولوجيا او المعادن، والصخور، والعلوم العامة، وتاريخ العلوم، وأهم المقالات التي نشرت حول الـ DNA، وتلك التي كتبها داروين، اينشتاين، لينيز وغيرهم. ويرى شيرنبيرغ أن مثل هذه المكتبة ضرورية ومهمة للجامعات ومراكز البحوث ولا بد لكل دولة تطمح في أن يكون تعليمها متطور وحديث، يخرج طلاباً باحثين ومبدعين من امتلاكها. يقول: أظن أو هكذا يخيل إلي ان الجامعات في الشرق الأوسط تملك بعض هذه المعلومات لطلبتها ولكن في أشكال إلكترونية أو ربما عبر العالم الديجيتالي، لكن هذا لا يكفي ولا بد من الاحتفاظ بنسخة أصلية تحفظ بشكل جيد لتكون أولاً نسخة احتياطية في حال حدثت اي مشكلات في الأرشيف الإلكتروني أو الأقراص أو الشرائح الفيلمية، وثانياً لأن الطالب يتعلم أفضل بكثير حين يرى نسخة مطبوعة بين يديه، وهذا ما فعلته الدول المتقدمة في مجال التعليم والبحوث العلمية.
ومن هنا، يعتقد شيرنبيرغ ان مثل هذه المكتبة ينبغي ان تكون موجودة في مكان ما في كل دولة بما في ذلك الإمارات التي تسعى الى تحقيق مستوى راق في التعليم والمعرفة. ويصعب إيراد السلاسل والدوريات المتوفرة، إذ تصل الى 1338 مجموعة بعضها يغطي عشرات السنين.

اقرأ أيضا