الاتحاد

دنيا

مواقف في ذكرى مولد الرحمة المهداة

تمر بنا في هذه الأيام ذكرى عزيزة على قلب كل مسلم، إنها ذكرى ميلاد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد ولد - عليه الصلاة والسلام - في شهر ربيع الأول، فأشرقت الدنيا بعد ظلامها، وعاشت البشرية حياة كريمة آمنة مطمئنة، حيث كان مولده وبعثته ورسالته - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء الآية 107).
والقرآن الكريم يرشدنا إلى أن سيدنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام - رضي الله عنهم أجمعين - رحماء فيما بينهم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (سورة الفتح الآية 29)، إنهم أشداء على أعدائهم، لكنهم رحماء فيما بينهم، فماذا يحدث لو أن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بيننا؟! ليرى ما أصاب الأمة من فرقة وتشرذم، وضعف ووهن، وخلاف واختلاف، حقدٌ بين الإخوة، وشدة بين الأحبة، وتفرق بين أبناء الأمة، مع أن الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام يقول: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” (أخرجه البيهقي).
لقد كان - عليه الصلاة والسلام - أرحم بالناس من والديهم، الذين فطر الله قلوبهم على حب الأبناء، ولم تقتصر رحمته - عليه الصلاة والسلام - على أحبابه وأتباعه، بل تعدت ذلك إلى أولئك الذين ناصبوه العداء، وقاتلوه، وطردوه، فنجده - صلى الله عليه وسلم - يلتمس لهم العذر، ويغمرهم بالرحمة، ولا يرضى أن يُطبق الله عليهم الأخشبين، بل توجه إلى ربه قائلاً: “لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله”، فخرج من أصلاب الكفرة أناس يعبدون الله، حيث خرج من صلب أبي جهل - عدو الله اللدود - الصحابي الجليل عكرمة، وخرج من صلب أمية بن خلف الصحابي الجليل صفوان، وخرج من صلب الوليد بن المغيرة سيف الله المسلول خالد بن الوليد - رضي الله عنهم أجمعين، كما دعا - عليه الصلاة والسلام - لهم بالهداية والتوفيق قائلاً: اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.
وقد تلألأت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، في بيان فضله - عليه الصلاة والسلام - منها قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (سورة القلم الآية 4)، حيث كان - صلى الله عليه وسلم - قرآناً يمشي على الأرض، كما وورد في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنه من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال - صلى الله عليه وسلم: فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم النبيين” (أخرجه الشيخان)، فقد أشرقت الدنيا بمولده - صلى الله عليه وسلم- وامتلأ الكون نوراً وهداية، حيث امتن الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بما ساقه لهم من الخير بمولده - عليه الصلاة والسلام- كما قال عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (سورة التوبة الآية 128).
بر الوالدة
دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم- لأم أبي هريرة “كان أبوهريرة - رضي الله عنه - كلما دعا أمه إلى الإسلام نهرته، حتى دعاها ذات يوم، فأسمعته في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يكره.
فذهب أبو هريرة - رضي الله عنه - من فوره يبكي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجياً إياه قائلاً: ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فدعا لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم. فلما عاد أبوهريرة - رضي الله عنه - إلى المنزل، فوجد الباب مردوداً، فقالت له أمه: مكانك يا أبا هريرة، وعجلت إلى خمارها بعد اغتسالها، ثم فتحت لولدها أبي هريرة، وقالت “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله”، فرجع أبو هريرة - رضي الله عنه - يبكي فرحاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويخبره بهذا الخبر” (أخرجه مسلم).
يظهر من هذا الحديث مدى حرص أبي هريرة - رضي الله عنه - على برّ أمه، حيث كان - رضي الله عنه - يغتنم كل مناسبة لدعوتها إلى الإسلام، ويذكرها بآيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم- لكنها كانت معرضة، ومع ذلك لم ييأس فقد توجه لحبيبه - صلى الله عليه وسلم - طالباً منه الدعاء لأمه بالهداية، فاستجاب الحبيب - صلى الله عليه وسلم - لطلب أبي هريرة - رضي الله عنه- ودعا لها بالهداية، واستجاب الله دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم- فالنساء في الإسلام شقائق الرجال، والنصوص القرآنية توضح ذلك ،كما في قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} (سورة آل عمران الآية 195)، لذلك فقد حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على دعوة النساء، فهن الأمهات، والزوجات، والأخوات، وقد أحببت أن أذكر الأبناء بضرورة بر الوالدين، وإكرامهما، والحرص على طاعتهما، وطلب الخير لهما مهما كان الظروف، فالجنة تحت أقدام الأمهات، ورضي الله من رضي الوالدين، وسخطه من سخطهما، وكما تدين تدان، فهل عقل الأبناء ذلك كي يفوزوا برضى الله وطاعته في الدنيا، وبجنة عرضها السموات والأرض يوم القيامة؟! فبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم، فباب التوبة والحمد لله مفتوح دائماً كما جاء في الحديث “إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها” (أخرجه مسلم).
ونحن في ذكرى مولدك يا سيدي يا رسول الله نقول: عذراً إن قصرنا في بعض تعاليمك، فإننا نتخذ من ذكراك مثابة وأمنا، فلنبدأ مسيرتنا، فأنت الذي قلت: “توبوا إلى الله واستغفروه إني أتوب إليه في اليوم سبعين مرة”.

المرأة في الإسلام
تمر بنا في هذه الأيام ذكرى يوم المرأة العالمي، ومن المعلوم أن الإسلام قد سبق الأنظمة الوضعية بقرون عديدة في إعطائه المرأة حقوقها كاملة، فقد جاء الدين الإسلامي على العرب وهم يئدون النساء، فحرّم الإسلام وأدهن، وأعطاهن حقوقاً عديدة مثل حق التعليم، والميراث، وحق اختيار الزوج، وكذلك المشاركة في الحياة العامة للأمة، فالنساء شقائق الرجال، كما أوصى الإسلام بهن خيراً، فالمرأة هي البنت، والأم، والزوجة، والأخت، والرحم، وقد أمرنا الإسلام باحترام الأم، حيث جعل الجنة تحت قدميها، كما أوصى بتعليم البنات، حيث بين بأنّ من كانت له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، كانت له حجاباً من النار، وأمرنا باحترام الزوجة والإحسان إليها، فما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم، كما وأرشدنا إلى وجوب صلة الأرحام، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
وقد كان للمرأة دور كبير في نشر الدين الإسلامي، وخدمة الدعوة الإسلامية، فمن المعلوم أن أول من آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت امرأة، إنها زوجه خديجة، كما أن أول شهيد في الإسلام كانت امرأة، إنها سمية أم عمار، ومن المعلوم أن لفظ شهيد يطلق على المذكر والمؤنث، كما أن النسب الشريف لرسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد وصل إلينا عن طريق بناته، إذ إن أبناءه من الذكور قد توفوا جميعاً في حياته - صلى الله عليه وسلم.
ممّا سبق يُظهر بجلاء مدى عناية الإسلام بالمرأة، ومدى تكريمه لها، خصوصاً أن المدنية الحديثة، والحضارة الزائفة، قد أهملت المرأة، وأساءت إليها، وجعلت منها مادة إعلامية ودعائية، تهبط بمكانتها، وتقلل من شأنها، فهلاّ أدركت النساء ذلك، وعلمن أنّ التمسك بالدين الإسلامي، واتباع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هو سبب عزّهن وكرامتهن، وأن السير على الهدى النبوي هو الضمان لهن في حياة كريمة إن شاء الله في الدنيا، ونجاة في الآخرة.
وإننا في هذه الذكرى نحيي المرأة العربية، والمرأة المسلمة، وكل امرأة تخدم دينها وأمتها، والتي تجود بالغالي والنفيس من أجل رفعة الدين والوطن، ونبرق بالتحية إلى المرأة المقدسية أم كامل الكرد التي ضربت نموذجاً من أروع النماذج في التصدي لمحاولات تهويد المدينة المقدسة.

اقرأ أيضا